0:00
0:00

قوله تعالى ﴿ والسماءِ والطارقِ ﴾ هما قسمَان : « والسماءِ » قَسَمٌ، « والطارقِ » قَسَمٌ.
« الطارق » نجم، وقد بيّنه الله تعالى بقوله : ﴿ وما أدْراكَ ما الطارقُ * النجْمُ الثّاقبُ ﴾ ومنه قول هند بنت عتبة :
نحْنُ بنات طارِق... نمْشي على النمارق
تقول :نحن بنات النجم افتخاراً بشرفها، وإنما سمي النجم طارقاً لاختصاصه بالليل، والعرب تسمي كل قاصد في الليل طارقاً، قال الشاعر :
ألا طَرَقَتْ بالليلِ ما هجَعوا هندُ... وهندٌ أَتى مِن، دُونها النأيُ والصَّدّ
وأصل الطرق الدق، ومنه سميت المطرقة، فسمي قاصد الليل طارقاً لاحتياجه في الوصول إلى الدق.
وفي قوله « النجم الثاقب » ستة أوجه :
أحدها :المضيء، قاله ابن عباس.
الثاني :المتوهج، قاله مجاهد.
الثالث :المنقصّ، قاله عكرمة.
الرابع :أن الثاقب الذي قد ارتفع على النجوم كلها، قاله الفراء.
الخامس :الثاقب :الشياطين حين ترمى، قاله السدي.
السادس :الثاقب في مسيره ومجراه، قاله الضحاك.
وفي هذا النجم الثاقب قولان :
أحدهما :أنه زُحل، قاله عليّ.
الثاني :الثريّا، قاله ابن زيد.
﴿ إن كُلُّ نفْسٍ لّما عليها حافِظٌ ﴾ فيه وجهان :
أحدهما : « لّما » بمعنى إلاّ، وتقديره :إنْ كل نفس إلاَّ عليها حافظ، قاله قتادة.
الثاني :أن « ما » التي بعد اللام صله زائدة، وتقديره :إن كل نفس لعليها حافظ، قاله الأخفش.
وفي الحافظ قولان :
أحدهما :حافظ من الله يحفظ عليه أجله ورزقه، قاله ابن جبير.
الثاني :من الملائكة يحفظون عليه عمله من خير أو شر، قاله قتادة.
ويحتمل ثالثاً :أن يكون الحافظ الذي عليه عقله، لأنه يرشده إلى مصالحه، ويكفّه عن مضاره.
﴿ يَخْرُجُ مِنْ بَيْن الصُّلْبِ والتّرائِب ﴾ فيه قولان :
أحدهما :من بين صلب الرجل وترائبه، قاله الحسن وقتادة.
الثاني :بمعنى أصلاب الرجال وترائب النساء.
وفي الترائب ستة أقاويل :
أحدها :أنه الصدر، قاله ابن عياض، ومنه قول دريد بن الصمة.
فإنَّ تُدْبروا نأخذكُم في ظهوركم... وإنْ تُقْبِلُوا نأخذكُم في الترائب
الثاني :ما بين المنكبين إلى الصدر، قاله مجاهد.
الثالث :موضع القلادة، قاله ابن عباس، قال الشاعر :
والزعفران على ترائبها... شرق به اللّباتُ والنحْرُ
الرابع :أنها أربعة أضلاع من الجانب الأسفل، قاله ابن جبير، وحكى الزجاج أن الترائب أربعة أضلاع من يمنة الصدر وأربعة أضلاع من يسرة الصدر.
الخامس :أنها بين اليدين والرجلين والعينين، قاله الضحاك.
السادس :هي عصارة القلب، قاله معمر بن أبي حبيبة.
﴿ إنّه على رَجْعِهِ لقادرٌ ﴾ فيه خمسة أوجه :
أحدها :على أن يرد المني في الإحليل، قاله مجاهد.
الثاني :على أن يرد الماء في الصلب، قاله عكرمة.
الثالث :على أن يرد الإنسان من الكبر إلى الشباب، ومن الشباب إلى الصبا، ومن الصبا إلى النطفة، قاله الضحاك.
الرابع :على أن يعيده حيّاً بعد موته، قاله الحسن وعكرمة وقتادة.
الخامس :على أن يحبس الماء فلا يخرج.
ويحتمل سادساً :على أن يعيده إلى الدنيا بعد بعثه في الآخرة لأن الكفار يسألون الله فيها الرجعة.
﴿ يومَ تُبْلَى السّرائرُ ﴾ أي تَظْهَر.
ويحتمل ثانياً :أن تبتلى بظهور السرائر في الآخرة بعد استتارها في الدنيا.
وفيها قولان :
أحدهما :كل ما استتر به الإنسان من خير وشر، وأضمره من إيمان أو كفر، كما قال الأحوص :
ستُبلَى لكم في مُضْمَرِ السِّرِّ والحشَا سَريرةُ ودٍّ يومَ تُبلَى السرائرُ.
الثاني :هو ما رواه خالد عن زيد بن أسلم قال :قال رسول الله ﷺ : « الأمانات ثلاث :الصلاة والصوم والجنابة، استأمن الله ابن آدم على الصلاة، فإن شاء قال :قد صليت ولم يُصلّ، استأمن الله ابن آدم على الصوم، فإن شاء قال :قد صمت ولم يصم، استأمن الله ابن آدم على الجنابة، فإن شاء قال :قد اغتسلت ولم يغتسل، اقرؤوا إن شئتم :» يوم تُبْلى السّرائرُ «.
﴿ فما لَهُ مِن قُوَّةٍ ولا ناصَرٍ ﴾ فيه قولان :
أحدهما :أن القوة العشيرة، والناصر :الحليف، قاله سفيان.
الثاني :فما له من قوة في بدنه، ولا ناصر من غيره يمتنع به من الله، أو ينتصر به على الله، وهو معنى قول قتادة.
ويحتمل ثالثاً :فما له من قوة في الامتناع، ولا ناصر في الاحتجاج.
﴿ والسماءِ ذاتِ الّرجْعِ ﴾ فيه أربعة أقاويل :
أحدها :ذات المطر، لأنه يرجع في كل عام، قاله ابن عباس.
الثاني ذات السحاب، لأنه يرجع بالمطر.
الثالث :ذات الرجوع إلى ما كانت، قاله عكرمة.
الرابع :ذات النجوم الراجعة، قاله ابن زيد.
ويحتمل خامساً :ذات الملائكة لرجوعهم إليها بأعمال العباد، وهذا قَسَمٌ.
﴿ والأرضِ ذاتِ الصّدْعِ ﴾ فيها أربعة أقاويل :
أحدها :ذات النبات لانصداع الأرض عنه، قاله ابن عباس.
الثاني :ذات الأودية، لأن الأرض قد انصدعت بها، قاله ابن جريج.
الثالث :ذات الطرق التي تصدعها المشاة، قاله مجاهد.
الرابع :ذات الحرث لأنه يصدعها.
ويحتمل خامساً :ذات الأموات، لانصداعها عنهم للنشور وهذان قسمان :
﴿ إنّهُ لَقَولٌ فَصْلٌ ﴾ على هذا وقع القَسَمُ، وفي المراد بأنه قول فصل قولان :
أحدهما :ما قدّمه عن الوعيد من قوله تعالى : « إنه على رجعه لقادر يوم تبلى السرائر » الآية. تحقيقاً لوعيده، فعلى هذا في تأويل قوله « فَصْل » وجهان :
أحدها :حد، قاله ابن جبير.
الثاني :عدل، قاله الضحاك.
القول :ان المراد بالفصل القرآن تصديقاً لكتابه، فعلى هذا في تاويل قوله « فصل » وجهان :
أحدهما :حق، قاله ابن عباس.
الثاني :ما رواه الحارث عن عليّ قال :سمعت رسول الله ﷺ يقول : « كتابِ الله فيه خير ما قبلكم، وحكم ما بعدكم، هو الفصل ليس بالهزل، مَنْ تركه مِن جبّار قصمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله ».
﴿ وما هو بالهزْلِ ﴾ وهذا تمام ما وقع عليه القسم، وفيه ثلاثة أوجه :
أحدها :باللعب، قاله ابن عباس ومجاهد.
الثاني :بالباطل، قاله وكيع والضحاك.
الثالث :بالكذب، قاله السدي.
﴿ إنّهم يَكِيدُونَ كيْداً ﴾ يعني أهل مكة حين اجتمعوا في دار الندوة على المكر برسول الله ﷺ، كما قال تعالى : ﴿ وإذ يمْكَرُ بك الذين كَفَروا لِيُثْبِتوكَ أو يَقْتلوكَ أو يُخْرِجوكَ ﴾ فقال ها هنا : « إنهم يكيدون كيداً » أي يمكرون مكراً.
﴿ وأكيدُ كيْداً ﴾ يعني بالانتقام في الآخرة بالنار، وفي الدنيا بالسيف.
﴿ فمهّلِ الكافرين أَمْهِلْهم رُوَيْداً ﴾ فيه ثلاثة أوجه :
أحدها :قريباً، قاله ابن عباس.
الثاني :انتظاراً، ومنه قول الشاعر :
رُويْدك حتى تنطوي ثم تنجلي عمايةُ هذا العارضِ المتألّقِ
الثالث :قليلاً، قاله قتادة.
قال الضحاك :فقتلوا يوم بدر.
وفي « مهّل » « وأمْهل » وجهان :
أحدهما :أنهما لغتان معناهما واحد.
الثاني :معناهما مختلف، فمهّل الكف عنهم، وأمْهِل انتظار العذاب لهم.
السورة التالية
Icon