0:00
0:00

قوله : ﴿ وَالطَّارِقِ ﴾ :الطارقُ في الأصل اسمُ فاعل مِنْ طَرَقَ يَطْرُقُ طُروقاً، أي :جاء ليلاً قال :
فمِثْلَكِ حُبْلى قد طَرَقْتُ ومُرْضِعاً فألهَيْتُها عن ذي تمائمَ مُحْوِلِ
وأصلُه من الضَّرْبِ. والطارقُ بالحصى الضارِبُ به. قال :
لعَمْرُكَ ما تَدْري الضواربُ بالحصى ولا زاجراتُ الطيرِ ما اللَّهُ صانعُ
ثم اتُّسِع فقيل لكلٍ جاء ليلاً :طارِقٌ.
قوله : ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا ﴾ :قد تقدَّم في سورةِ هود التخفيفُ والتشديدُ في " لَمَّاً ". فمَنْ خَفَّفها هنا كانت " إنْ " هنا مخففةً من الثقيلة، و " كلُّ " مبتدأٌ، واللامُ فارقةٌ، و " عليها " خبرٌ مقدَّمٌ و " حافظٌ " مبتدأٌ مؤخرٌ، والجملةُ خبرُ " كل " و " ما " مزيدةٌ بعد اللامِ الفارقةِ. ويجوزُ أَنْ يكونَ " عليها " هو الخبرَ وحدَه، و " حافِظٌ " فاعلٌ به، وهو أحسنُ. ويجوزُ أَنْ يكونَ " كلُّ " متبدأً، و " حافظٌ " خبرَه، و " عليها " متعلقٌ به و " ما " مزيدة أيضاً، هذا كلُّه تفريعٌ على قولِ البصريِين. وقال الكوفيون :" إنْ هنا نافيةٌ، واللامُ بمعنى " إلاَّ " إيجاباً بعد النفي، و " ما " مزيدةٌ. وتقدَّم الكلامُ في هذا مُسْتوفى.
وأمَّا قراءةُ التشديدِ فإنْ نافيةٌ، و " لَمَّا " بمعنى " إلاَّ "، وتقدَّمَتْ شواهدُ ذلك مستوفاةً في هود. وحكى هارونُ أنه قُرِىءَ هنا " إنَّ " بالتشديدِ، " كلَّ " بالنصب على أنَّه اسمُها، واللامُ هي الداخلةُ في الخبرِ، و " ما " مزيدةٌ و " حافظٌ " خبرُها، وعلى كلِّ تقديرِ فإنْ وما في حَيِّزِها جوابُ القسمِ سواءً جَعَلها مخففةً أو نافيةً.
وقيل :الجواب ﴿ إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ ﴾، وما بينهما اعتراضٌ. وفيه بُعْدٌ.
قوله : ﴿ دَافِقٍ ﴾ :قيل :فاعِل بمعنى مَفْعول كعكسِه في قولهم :" سيلٌ مُفْعَم "، وقولِه تعالى :
﴿ حِجَاباً مَّسْتُوراً ﴾ [ الإِسراء :٤٥ ] على وجهٍ. وقيل :دافق على النسبِ، أي :ذي دَفْقٍ أو انْدِفاق. وقال ابن عطية :" يَصِحُّ أَنْ يَكونَ الماءُ دافقاً ؛ لأنَّ بعضَه يَدْفُقُ بعضاً، أي :يدفعه فمنه دافِق، ومنه مَدْفوق " انتهى. والدَّفْقُ :الصَّبُّ/ ففِعْلُه متعدٍّ. وقرأ زيدُ ابنُ علي " مَدْفُوقٍ " وكأنه فَسَّر المعنى.
قوله : ﴿ وَالتَّرَآئِبِ ﴾ :جمع تَريبة. وهي مَوْضِعُ القِلادةِ من عظامِ الصدرِ ؛ لأنَّ الولدَ مخلوقٌ مِنْ مائهما، فماءُ الرجل في صُلْبه، والمرأةُ في ترائبِها، وهو معنى قولِه : ﴿ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ﴾ بالإِنسان :٢ ]. وقال الشاعر :
مُهَفْهَفَةٌ بيضاءُ غيرُ مُفاضَةٍ تَرائِبُها مَصْقُولةٌ كالسَّجَنْجَلِ
وقال :
والزَّعْفَرانُ على ترائبِها شَرِقَتْ به اللَّبَّاتُ والنَّحْرُ
وقال أبو عبيدة :" جمع التَّريبة تريب ". قال :
ومِنْ ذَهَبٍ يَذُوْبُ على تَرِيْبٍ كلَوْنِ العاجِ ليس بذي غُضونِ
وقيل :الترائبُ :التَّراقي. وقيل :أضلاعُ الرجلِ التي أسفلَ الصُّلْب. وقيل :ما بين المَنْكِبَيْن والصَّدْرِ. وعن ابن عباس :هي أطرافُ المَرْءِ يداه وِرجْلاه وعيناه. وقيل :عُصارةُ القلبِ. قال ابن عطية :" وفي هذه الأقوالِ تَحَكُّمٌّ في اللغة ".
وقرأ العامَّةُ " يَخْرُج " مبنياً للفاعل. وابنُ أبي عبلة وابن مقسم مبنياً للمفعول. وقرأ أيضاً وأهلُ مكة " الصُّلُب " بضم الصاد واللام، واليمانيُّ بفتحهما، وعليه قولُ العَجَّاج :
في صَلَبٍ مِثْلِ العِنانِ المُؤْدَمِ ***
وتَقَدَّمَتْ لغاتُه في سورة النساء. وأَغْرَبُها " صالِب " كقوله :
٤٥٤٤. . . . . . . . . . . . . مِنْ صالِبٍ إلى رَحِمٍ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قوله : ﴿ إِنَّهُ ﴾ :الضميرُ للخالقِ المدلولِ عليه بقوله :" خُلِقَ " لأنه معلومٌ أَنْ لا خالقَ سواه.
قوله : ﴿ عَلَى رَجْعِهِ ﴾ في الهاء وجهان، أحدُهما :أنه ضميرُ الإِنسانِ، أي :على بَعْثِه بعد موتِه. والثاني :أنه ضميرُ الماءِ، أي :يُرْجِعُ المنيَّ في الإِحليلِ أو الصُّلْبِ.
قوله : ﴿ يَوْمَ تُبْلَى ﴾ :فيه أوجهٌ. وقد رتَّبها أبو البقاء على الخلافِ في الضمير فقال على القولِ بكونِ الضميرِ للإِنسان :" فيه أوجهٌ، أحدُها :أنه معمولٌ ل " قادر ". إلاَّ أنَّ ابنَ عطية قال بعد أن حكى أوجهاً عن النحاةِ قال :" وكل هذه الفِرَقِ فَرَّتْ من أَنْ يكونَ العاملُ " لَقادِرٌ " لئلا يظهرَ من ذلك تخصيصُ القدرةِ بذلك اليومِ وحدَه " ثم قال :" وإذا تُؤُمِّل المعنى وما يَقْتَضِيه فصيحُ كلامِ العربِ جازَ أَنْ يكونَ العاملُ " لَقادر " لأنَّه إذا قَدَرَ على ذلك في هذا الوقتِ كان في غيره أقدرَ بطريق الأَوْلى. الثاني :أن العاملَ مضمرٌ على التبيين، أي :يَرْجِعه يومَ تُبْلى. الثالث :تقديره :اذكُرْ، فيكونُ مفعولاً به. وعلى عَوْدِه على الماء يكونُ العاملُ فيه اذكُرْ " انتهى ملخصاً.
وجَوَّزَ بعضُهم أَنْ يكون العاملُ فيه " ناصرٍ ". وهو فاسدٌ لأنَّ ما بعد " ما " النافيةِ وما بعد الفاءِ لا يعملُ فيما قبلَهما. وقيل :العامل فيه " رَجْعِه ". وهو فاسدٌ لأنه قد فصل بين المصدرِ ومعمولِه بأجنبيّ وهو الخبرُ، وبعضُهم يَغْتَفِرُه في الظرف.
قوله : ﴿ ذَاتِ الرَّجْعِ ﴾ :قيل :هو مصدرٌ بمعنى :رجوعِ الشمس والقمر إليها. وقيل :المطر كقولِه يصفُ سيفاً :
أبيضُ كالرَّجْعِ رَسوبٌ إذا ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كما سُمِّي أَوْباً كقولِه :
رَبَّاءُ شَمَّاءُ لا يَأْوي لِقُلَّتِها *** إلاَّ السَّحابُ وإلاَّ الأَوْبُ والسَّبَلُ
قوله : ﴿ إِنَّهُ ﴾ :جوابُ القسمِ في قوله :" والسَّماءِ ". والهَزْلُ :ضدُّ الجَدِّ والتشميرِ في الأمر. قال الكُميت :
٤٥٤٧. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . *** يُجَدُّ بنافي كلِّ يومٍ ونَهْزِلُ
والضمير في " إنَّه " للقرآن. وقيل :للكلامِ المتقدَّمِ الدالِّ على البعث والنشور.
قوله : ﴿ أَمْهِلْهُمْ ﴾ :هذه قراةُ العامَّة، لَمَّا كرَّر الأمرَ توكيداً خالَفَ بين اللفظَيْن. وعن ابن عباس " مَهِّلْهُمْ " كالأولِ. والإِمهالُ والتمهيلُ الانتظارُ. يقال :أَمْهَلْتُك كذا، أي :انتظرتُك لِتَفْعَلَه. والمَهْلُ :الرِّفْقُ والتُّؤَدَةُ.
قوله : ﴿ رُوَيْداً ﴾ مصدرٌ مؤكِّدٌ لمعنى العامل، وهو تصغيرُ إرْواد على الترخيم. وقيل :بل هو تصغيرُ " رُوْدِ "، وأنَشد :
تكادُ لا تَثْلِمُ البَطْحاءُ وَطْأتَه كأنَّه ثَمِلٌ يَمْشي على رُوْدِ
واعلَمْ أنَّ رُوَيْداً يُستعمل مصدراً بدلاً من اللفظِ بفعلِه، فيُضاف تارةً كقوله : ﴿ فَضَرْبَ الرِّقَابِ ﴾ [ محمد :٤ ] ولا يُضافُ أخرى نحو :رويداً زيداً [ ويُستعمل اسمَ فعلٍ فلا يُنَوَّن، بل يبنى على الفتح نحو :رُوَيْداً زيداً ] ويقع حالاً نحو :ساروا رُوَيْدا، أي :متمهِّلين، ونعتاً لمصدر محذوف نحو :" ساروا رُوَيْداً "، أي :سَيْراً رويداً. وهذه الأحكامُ لها موضوعٌ هو أَلْيَقُ بها.
السورة التالية
Icon