0:00
0:00

مكية وآياتها ١٧.

أقسم اللَّهُ تعالى بالسماءِ المعروفةِ في قول الجمهور، وقِيل :السماءُ هنا هو المطرُ، ﴿ والطارق ﴾ :الذي يأتي ليلاً.
ثم فسَّر تعالى هذا الطارقَ بأنَّه : ﴿ النجم الثاقب ﴾ واخْتُلِفَ في ﴿ النجم الثاقب ﴾ فقال الحسنُ بن أبي الحسن ما معناه ؛ أنه اسمُ جنسٍ ؛ لأنها كلَّها ثاقِبة، أي :ظاهرة الضوء، يقال :ثَقُبَ النجمُ إذا أضاء، وقال ابن زيد :أرادَ نَجماً مخصوصاً ؛ وهو زُحَلُ، وقال ابن عباس :أراد الجَدْيَ، وقال ابن زيد أيضاً :هو الثُّرَيّا.
وجَوابُ القسم في قوله : ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ ﴾ الآية، و( إنْ ) هي المخففةُ من الثقيلةِ، واللامُ في ( لَمَّا ) لامُ التأكيدِ الداخلةِ على الخبرِ ؛ هذا مذهبُ حُذَّاقِ البصريين، وقال الكوفيون «إنْ » بمعنى «ما » النافيةِ، واللامُ بمعنى «إلا » فالتقديرُ :ما كلُّ نفسٍ إلا عليها حافظٌ، ومعنى الآيةِ فيما قال قتادة وغيره :إنَّ على كل نفسٍ مكلَّفَةٍ حافظاً يُحْصِي أعمالَها ويُعِدُّهَا للجزاءِ عليها، وقال أبو أمامة قال النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير هذه الآية :" إنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ حَفَظَةً مِنَ اللَّهِ يَذُبُّونَ عَنْهَا كَمَا يُذَبُّ عَنْ قَصْعَةِ العَسَلِ الذُّبَابُ، وَلَوْ وُكِلَ المَرْءُ إلى نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الشَّيَاطِينُ ".
وقوله تعالى : ﴿ فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ ﴾ توقيفٌ لمنكرِي البعثِ على أصلِ الخِلْقَةِ الدالِّ على أن البعثَ جائزٌ ممكن.
ثم بادَرَ اللفظَ إلى الجوابِ اقْتِضَاباً وإسْراعاً إلى إقامَةِ الحجة، فقال :{ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ
ثم بادَرَ اللفظَ إلى الجوابِ اقْتِضَاباً وإسْراعاً إلى إقامَةِ الحجة، فقال :{ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ
يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترائب } قال الحسن وغيره :معناه :من بينِ صلبِ كلِّ واحدٍ من الرجلِ والمرأةِ، وترائِبِه، وقال جماعةُ :من بينِ صلبِ الرجل وترائب المرأةِ والتَرِيبَةُ من الإنسان :ما بين التَّرْقُوةِ إلى الثدي، قال أبو عبيدة مُعَلَّقُ الحَلْيِ إلى الصَّدْرِ، وقيل غير هذا.
وقوله تعالى : ﴿ إِنَّهُ على رَجْعِهِ لَقَادِرٌ ﴾ قال ابن عباس وقتادة :المعنى أن اللَّهَ عَلى ردِّ الإنسانِ حيًّا بعد موتهِ لقادرٌ، وهذا أظهر الأقوال هنا وأبينُها، و﴿ دَافِقٍ ﴾ قال كثير من المفسرين :هو بمعنى مَدْفُوقٍ، والعاملُ في ﴿ يَوْمٍ ﴾ الرَّجْع من قولهِ : ﴿ على رَجْعِهِ ﴾.
و﴿ تبلى السرائر ﴾ معناه تُخْتَبَرُ وتكشَفُ بواطنُها، ورَوَى أبو الدرداءِ عن النبي صلى الله عليه وسلم :أن السرائرَ التي يَبْتَلِيهَا اللَّه من العباد :التوحيدُ، والصلاةُ، والزكاةُ، والغُسْلُ من الجنَابةِ، قال ( ع ) :" وهذهِ معظَمُ الأمرِ، وقال قتادة :الوجهُ في الآيةِ العمومُ في جميعِ السرائرِ، ونَقَلَ ابنُ العربي في «أحكامِه » عن ابن مسعود :أنَّ هذه المذكوراتِ مِنَ الصلاةِ والزكاةِ والوضوءِ والوديعةِ كلَّها أمَانَةٌ، قال :وأَشَدُّ ذلكَ الوديعةُ تَمْثُلُ له، أي :لمن خَانَها على هيئَتِها يوم أخَذَها فَتُرْمَى في قَعْر جهنمَ، فيقالُ له :أخْرِجْها، فيتبعُها فيجعلُها في عنقهِ فإذا أراد أن يخرجَ بهَا زَلَّتْ منه فيتبعُها ؛ فهو كذلكَ دَهْرَ الداهرينَ "، انتهى. ( ت ) :قال أبو عبيد الهروي :قوله تعالى : ﴿ يَوْمَ تبلى السرائر ﴾ الواحدةُ سَرِيرَةٌ وهي الأعمالُ التي أسرَّهَا العبادُ، انتهى.
و﴿ الرجع ﴾ المطرُ وماؤُه، وقال ابن عباس :( الرجعُ ) :السحابُ فيه المطرُ، قال الحسنُ :لأنه يَرْجِعُ بالرزقِ كلَّ عامٍ، وقال غيرُه :لأنه يرجع إلى الأرض.
و﴿ الصدع ﴾ النباتُ ؛ لأن الأرضَ تَتَصَدَّعُ عنْه.
والضمير في ( أّنَهُ للقرآن ) و﴿ فَصْلٌ ﴾ معناه :جَزْمٌ فَصَلَ الحقائِقَ مِنَ الأباطيلِ.
و﴿ الهَزْل ﴾ اللعِبُ الباطلُ.
ثم أخبر تعالى عن قريش ﴿ إنهم يَكِيدُونَ كيدا ﴾ في أفعالِهم وأقوالِهم بالنبي عليه السلام.
و﴿ وَأَكِيدُ كَيْداً ﴾ وهذا على مَا مَرَّ من تسميةِ العُقُوبة باسْمِ الذنبِ.
و﴿ رُوَيْداً ﴾ معناه :قليلاً ؛ قاله قتادة، وهذهِ حالُ هذهِ اللفظةِ ؛ إنما تقدمَها شيءٌ تَصِفُه كقولك :سيراً رويداً، أو تقدمَها فعل يَعْملُ فيها كهذهِ، وأما إذا ابتدأتَ بها فقُلْتَ :رويداً يا فلان ؛ فهي بمعنى الأمر بالتَمَاهُلِ، ( ص ) : ﴿ رُوَيْداً ﴾ قال أبو البقاء :" نَعْتٌ لمصدرٍ محذوفٍ، أي :إمْهَالاً رُوَيْداً، و«رويداً » تَصْغِيرُ «رَوْدٍ » " وأنشَد أبو عُبَيْدَةَ :
يَمْشِي ولاَ تَكْلِمُ البَطْحَاءَ مِشْيَتُهُ كَأَنَّهُ ثَمِلٌ يَمْشِي على رَوْدِ
أي :على مَهْلٍ ورِفْقٍ، انتهى.
السورة التالية
Icon