0:00
0:00

مكية وآياتها ١٧

﴿ النجم الثاقب ﴾ المضيء، كأنه يثقب الظلام بضوئه فينفذ فيه، كما قيل :درّيء، لأنه يدرؤه، أي :يدفعه. ووصف بالطارق ؛ لأنه يبدو بالليل، كما يقال للآتي ليلا :طارق :أو لأنه يطرق الجني، أي يصكه. والمراد :جنس النجوم، أو جنس الشهب التي يرجم بها.
فإن قلت :ما يشبه قوله : ﴿ وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الطارق ( ٢ ) النجم الثاقب ( ٣ ) ﴾ إلا ترجمة كلمة بأخرى، فبين لي أي فائدة تحته ؟ قلت :أراد الله عزّ من قائل :أن يقسم بالنجم الثاقب تعظيماً له، لما عرف فيه من عجيب القدرة ولطيف الحكمة، وأن ينبه على ذلك فجاء بما هو صفة مشتركة بينه وبين غيره، وهو الطارق، ثم قال : ﴿ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطارق ( ٢ ) ﴾ ثم فسره بقوله : ﴿ النجم الثاقب ( ٣ ) ﴾ كل هذا إظهار لفخامة شأنه، كما قال ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بمواقع النجوم وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ ﴾ [ الواقعة :٧٥ - ٧٦ ] روي :أنّ أبا طالب كان عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانحط نجم، فامتلأ ما ثم نوراً فجزع أبو طالب وقال :أي شيء هذا ؟ فقال عليه السلام :« " هذا نجم رمي به، وهو آية من آيات الله " فعجب أبو طالب، فنزلت.
فإن قلت :ما جواب القسم ؟ قلت ﴿ إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ ﴾ لأنّ «إن » لا تخلو فيمن قرأ لما مشددة، بمعنى :إلا أن تكون نافية. وفيمن قرأها مخففة على أن «ما » صلة تكون مخففة من الثقيلة، وأيتهما كانت فهي مما يتلقى به القسم، حافظ مهيمن عليها رقيب، وهو الله عز وجل ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء رَّقِيباً ﴾ [ الأحزاب :٥٢ ]، ﴿ وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء مُّقِيتاً ﴾ [ النساء :٨٥ ]، وقيل :ملك يحفظ عملها ويحصى عليها ما تكسب من خير وشر. وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم :" وكل بالمؤمن مائة وستون ملكاً يذبون عنه كما يذب عن قصعة العسل الذباب. ولو وكل العبد إلى نفسه طرفة عين لاختطفته الشياطين ".
فإن قلت :ما وجه اتصال قوله ﴿ فَلْيَنظُرِ ﴾ بما قبله ؟ قلت :وجه اتصاله به أنه لما ذكر أن على كل نفس حافظاً، أتبعه توصية الإنسان بالنظر في أوّل أمره ونشأته الأولى، حتى يعلم أنّ من أنشأه قادر على إعادته وجزائه، فيعمل ليوم الإعادة والجزاء، ولا يملى على حافظه إلا ما يسره في عاقبته ؛ و ﴿ مِمَّ خُلِقَ ﴾ استفهام جوابه ﴿ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ ( ٦ ) ﴾.
﴿ خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ ( ٦ ) ﴾ والدفق :صبّ فيه دفعٌ. ومعنى دافق :النسبة إلى الدفق الذي هو مصدر دفق، كاللابن والتامر. أو الإسناد المجازي. والدفق في الحقيقة لصاحبه، ولم يقل ماءين لامتزاجهما في الرحم، واتحادهما حين ابتدىء في خلقه.
﴿ مِن بَيْنِ الصلب والترائب ﴾ من بين صلب الرجل وترائب المرأة :وهي عظام الصدر حيث تكون القلادة. وقرىء «الصلب » بفتحتين، والصلب بضمتين. وفيه أربع لغات :صَلْب، وصُلْب، وصَلَب وصَاْلب قال العجاج :
في صَلَبٍ مِثْلِ الْعِنَانِ الْمُؤْدَمِ ***
وقيل :العظم والعصب من الرجل، واللحم والدم من المرأة.
﴿ إِنَّهُ ﴾ الضمير للخالق، لدلالة ( خلق ) عليه. ومعناه :إنّ ذلك الذي خلق الإنسان ابتداء من نطفه ﴿ على رَجْعِهِ ﴾ على إعادته خصوصاً ﴿ لَقَادِرٌ ﴾ لبين القدرة لا يلتاث عليه ولا يعجز عنه. كقوله :إنني لفقير.
﴿ يَوْمَ تبلى ﴾ منصوب برجعه ؛ ومن جعل الضمير في ﴿ رَجْعِهِ ﴾ وفسره برجعه إلى مخرجه من الصلب والترائب أو الإحليل. أو إلى الحالة الأولى نصب الظرف بمضمر ﴿ السرائر ﴾ ما أسرّ في القلوب من العقائد والنيات وغيرها، وما أخفى من الأعمال وبلاؤها. تعرّفها وتصفحها، والتمييز بين ما طاب منها وما خبث وعن الحسن أنه سمع رجلاً ينشد :
سَيَبْقَى لَهَا في مُضْمَرِ الْقَلْبِ وَالْحَشَا سَرِيرَةُ وُدٍّ يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ
فقال :ما أغفله عما في ﴿ والسماء والطارق ( ١ ) ﴾.
﴿ فَمَا لَهُ ﴾ فما للإنسان ﴿ مِن قُوَّةٍ ﴾ من منعة في نفسه يمتنع بها ﴿ وَلاَ نَاصِرٍ ﴾ ولا مانع يمنعه.
سمي المطر رجعاً، كما سمي أوباً قال :
رَبَّاءُ شَمَّاءُ لاَ يَأْوِي لِقُلتِهَا إلاَّ السَّحَابُ وَإلاَّ الأوْبُ والسَّبلُ
تسمية بمصدري :رجع، وآب ؛ وذلك أنّ العرب كانوا يزعمون أنّ السحاب يحمل الماء من بحار الأرض، ثم يرجعه إلى الأرض. أو أرادوا التفاؤل فسموه رجعاً. وأوبا، ليرجع ويؤب. وقيل :لأنّ الله يرجعه وقتاً فوقتاً. قالت الخنساء :كالرجع في المدجنة السارية.
والصدع :ما يتصدّع عنه الأرض من النبات.
﴿ إِنَّهُ ﴾ الضمير للقرآن ﴿ فَصْلٌ ﴾ فاصل بين الحق والباطل، كما قيل له فرقان.
﴿ وَمَا هوَ بالهزل ( ١٤ ) ﴾ يعني أنه جدّ كله لا هوادة فيه. ومن حقه وقد وصفه الله بذلك أن يكون مهيباً في الصدور، معظماً في القلوب، يترفع به قارئه وسامعه وأن يلم بهزل أو يتفكه بمزاح، وأن يلقى ذهنه إلى أنّ جبار السماوات يخاطبه فيأمره وينهاه، ويعده وبوعده، حتى إن لم يستفزه الخوف ولم تتبالغ فيه الخشية، فأدنى أمره أن يكون جادّا غير هازل، فقد نعى الله ذلك على المشركين في قوله : ﴿ وَتَضْحَكُونَ وَلاَ تَبْكُونَ وَأَنتُمْ سامدون ﴾ [ النجم :٦٠ ٦١ ]، ﴿ والغوا فِيهِ ﴾ [ فصلت :٢٦ ].
﴿ إِنَّهُمْ ﴾ يعني أهل مكة يعملون المكايد في إبطال أمر الله وإطفاء نور الحق.
وأنا أقابلهم بكيدي :من استدراجي لهم وانتظاري بهم الميقات الذي وقته للانتصار منهم.
﴿ فَمَهِّلِ الكافرين ﴾ يعني لا تدع بهلاكهم ولا تستعجل به ﴿ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً ﴾ أي إمهالا يسيراً ؛ وكرّر وخالف بين اللفظين لزيادة التسكين منه والتصبير.
السورة التالية
Icon