0:00
0:00
اللغَة: ﴿الغاشية﴾ القيامة تغشى الناس بأهوالها ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ذليلة خاضعة ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ من النصب وهو التعب ﴿ضَرِيعٍ﴾ شيء في النار كالشوك مرٌّ منتنٌ ﴿نَّاعِمَةٌ﴾ ذات حسن وبهجة ونضارة ﴿نَمَارِقُ﴾ وسائد ومرافق يُتكأ عليها جمع نمرقة قال زهير:
﴿زَرَابِيُّ﴾ بسط فاخرة جمع زريبة وقال الفراء: هي الطنافس التي لها خملٌ رقيق، ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ مفرَّقة في المجالس ﴿إِيَابَهُمْ﴾ رجوعهم.
التفسِير: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية﴾ الاستفهام للتشويق الى استماع الخبر، وللتنبيه والتفخيم لشأنها أي هل جاءك يا محمد خبرُ الداهية العظيمة التي تغشى الناس وتعمُّهم بشدائدها وأهوالها، وهي القيامة؟ قال المفسرون: سميت غاشية لأنها تشغى الخلائق بأهوالها وشدائدها، وتعمُّهم بما فيها من المكاره والكوارث العظيمة ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ أي وجوهٌ في ذلك اليوم ذليلة خاضعةٌ مهينة ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾ أي دائبة العمل فيما يُتعبها ويشقيها في النار قال المفسرون: هذه الآية في الكفار، يتعبون ويشقون بسبب جر السلاسل والأغلال، وخوضهم في النار خوض الإِبل في الوحل، والصعود والهبوط في تلالها ودركاتها كما قال تعالى ﴿إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ والسلاسل يُسْحَبُونَ فِي الحميم ثُمَّ فِي النار يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧١٧٢] وهذا جزاء تكبرهم في الدنيا عن عبادة الله، وانهماكهم في اللذات والشهوات ﴿تصلى نَاراً حَامِيَةً﴾ أي تدخل ناراً مسعَّرة شديدة الحر قال ابن عباس: قد حميت فهي تتلظى على أعداء الله ﴿تسقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي تسقى من عين متناهية الحرارة، وصل حرها وغليانها درجة النهاية ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ أي ليس لأهل النار طعام إلا الضريع وهو نبتٌ ذو شوك تسمية قريش «الشبرق» وهو أخبث طعامٍ وأبشعه وهو سم قاتل قال قتادة: هو شر الطعام وأبشعه وأخبثه.. ذكر تعالى هنا أن طعامهم الضريع ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾ وقال في الحاقَة ﴿وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦] ولا نافي بينهما، لأن العقاب ألوان، والمعذبون أنواع، فمنهم من يكون طعامه الزقوم، ومنهم من يكون طعامه الضريع، ومنهم من يكون طعامه الغسلين، وهكذا يتنوع العذاب ﴿لاَّ يُسْمِنُ وَلاَ يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ أي لا يفيد القوة والسمن في البدن، ولا يدفع الجوع عن آكله قال أبو السعود: أي ليس من شأنه الإِسمانُ والإِشباع، كما هو شأن طعام الدنيا، وقد روي أنه يُسلَّط عليهم الجوع بحيث يضطرهم إلى أكل الضريع، فإِذا أكلوه يُسلط عليهم العطش فيضطرهم إلى شرب الحميم، فيشوي وجوههم ويقطع أمعاءهم ﴿وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥].. ولما ذكر حال الأشقياء أهل النار، أتبعه بذكر حال السعداء أهل الجنة فقال ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾ أي وجوه المؤمنين يوم القيامة ناعمة ذات بهجةٍ وحسن، وإشراق ونضارة كقوله تعالى
﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النعيم﴾ [المطفيين: ٣٤] ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ أي لعملها الذي عملته في الدنيا وطاعتها لله راضية مطمئنة، لأن هذا العسل أورثها الفردوس دار المتقين ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾ أي في حدائق وبساتين مرتفعة مكاناً وقدراً، وهم في الغرفات آمنون ﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي لا تسمع في الجنة شتماً، أو سباً، أو فحشاً قال ابن عباس: لا تسمع أذى ولا باطلاً ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي فيها عيونٌ تجري بالماء السلسبيل لا تنقطع أبداً قال الزمخشري: التنوين في ﴿عَيْنٌ﴾ للتكثير أي عيونٌ كثيرة تجري مياهها ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾ أي في الجنة أسرة مرتفعة، مكللة بالزبرجد والياقوت،
عليها الحور العين، فإِذا أراد وليٌّ الله أن يجلس على تلك السرر العالية تواضعت له ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾ أي وأقداح موضوعة على حافات العيون، معدة لشرابهم لا تحتاج إلى من يملأها ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾ أي ووسائد مخدَّات قد صُفَّ بعضها إلى جانب بعض ليستندوا عليها ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ أي وفيها طنافس فاخرة لها خمل رقيق مبسوطة في أنحاء الجنة.. ثم ذكر تعالى الدلائل والبراهين الدالة على قدرته ووحدانيته فقال ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ أي أفلا ينظر هؤلاء الناس نظر تكفر واعتبار، إِلى الإِبل الجمال كيف خلقها الله خلقاً عجيباً بديعاً يدل على قدرة خالقها؟ ﴿قال في التسهيل: في الآية حضٌ على النظر في خلقتها، لما فيها من العجائب في قوتها، وانقيادها مع ذلك لكل ضعيف، وصبرها على العطش، وكثرة المنافع التي فيها، من الركوب والحمل عليها، وأكل لحومها، وشرب ألبانها وغير ذلك {وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ﴾ أي وإلى السماء البديعة المحكمة، كيف رفع الله بناءها، وأعلى سمكها بلا عمد ولا دعائم؟ ﴿وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ﴾ أي إلى الجبال الشاهقة كيف نصبت على الأرض نصباً ثابتاً راسخاً لا يتزلزل؟} ﴿وَإِلَى الأرض كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ أي وإلى الأرض التي يعيشون عليها، كيف بسطت ومُهدت حتى صارت شاسعة واسعة يستقرون عليها، ويزرعون فيها أنواع المزروعات؟! قال الألوسي: ولا ينافي هذا، القول بأنها كرة أو قريبة من الكرة لمكان عظمها والحكمةُ في تخصيص هذه الأشياء بالذكر، أن القرآن نزل على العرب وكانوا يسافرون كثيراً في الأودية والبراري منفردين عن الناس، والإِنسان إِذا ابتعد عن المدينة أقبل على التفكر، فأول ما يقع بصره على البعير الذي يركبه فيرى نظراً عجيباً، وإن نظر فوق لم ير غير السماء، وإِن نظر يميناً وشمالاً لم ير غير الجبال، وإِن نظر تحت لم ير غير الأرض، فلذلك ذكر هذه الأشياء قال ابن كثير: نبه تعالى البدوي على الاستدلال بما يشاهده من بعيره الذي هو راكبٌ عليه، والسماء التي فوق رأسه، والجبل الذي تجاهه، والأرض التي تحته، على قدرة خالق ذلك وصانعه، وأنه الرب العظيم، الخالق المالك المتصرف، الذي لا يستحق العبادة سواه.
. ولما ذكر تعالى دلائل التوحيد ولم يعتبر بذلك الكفار، أمر نبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ بوعظهم وتذكيرهم فقال ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾ أي فعظهم يا محمد وخوفهم، ولا يهمنَّك أنهم لا ينظرون ولا
يتفكرون، فإنما أنت واعظ ومرشد ﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ أي لست بمتسلط عليهم ولا قاهر لهم حتى تجبرهم على الإِيمان ﴿إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ﴾ أي لكن من أعرض عن الوعظ والتذكير، وكفر بالله العلي القدير ﴿فَيُعَذِّبُهُ الله العذاب الأكبر﴾ أي فيعذبه الله بنار جهنم الدائم عذابها قال القرطبي: وإِنما قال ﴿الأكبر﴾ لأنهم عُذبوا في الدنيا بالجوع والقحط والقتل والأسر ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي إِلنا وحدنا رجوعهم بعد الموت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي ثم إن علينا وحدنا حسابهم وجزاءهم.
البَلاَغَة: تضمنت السورة الكريمة وجوهاً من البيان والبديع نوجزها فيما يلي:
١ - أسلوب التشويق ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية﴾ ؟
٢ - المجار المرسل بإِطلاق الجزء وإرادة الكل ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ المراد أصحابها.
٣ - الطباق في الحرف بين ﴿إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ.. وعَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾.
٤ - جناس الاشتقاق ﴿فَذَكِّرْ.. مُذَكِّرٌ﴾ وبين ﴿يُعَذِّبُهُ.. والعذاب﴾.
٥ - المقابلة بين وجوه الأبرار ووجوه الفجار ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾ قابل بينها وبين سابقتها ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
٦ - السجع الرصين غير المتكلف مثل ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾.. الخ.
تنبيه: روي أن عمر بن الخطاب رَضِيَ اللَّهُ عَنْه لما قدم الشام، أتاه راهب شيخ كبير عليه سواد، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: ما يبكيك يا أمير المؤمنين إنه نصراني؟ فقال: ذكرتُ قول الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ تصلى نَاراً حَامِيَةً﴾ فبكيتُ رحمةً عليه.
السورة التالية
Icon
كهولاً وشباناً حساناً وجوهُهم على سُرر مصفوفةٍ ونمارق