0:00
0:00

تفسير سورة الغاشية
أهداف سورة الغاشية
( سورة الغاشية مكية، وآياتها ٢٦ آية، نزلت بعد سورة الذاريات ).
وهي سورة قصيرة الآيات، متناسقة الفواصل، تطوّف بالقلب البشرى أمام الآخرة وأحوالها، فأصحاب الجحيم يلقون أشد ألوان الألم والعذاب، وأهل الجنة يتمتعون بألوان النعيم وصنوف التكريم، ثم تعرض أمام الناظرين مشاهد الكون، وآيات الله المبثوثة في خلائقه، المعروضة للجميع.
ثم تذكّر الناس بحساب الآخرة، وسيطرة الله، وحتمية الرجوع إليه في نهاية المطاف، كل ذلك في أسلوب عميق الإيقاع، هادئ ولكنه نافذ، رصين ولكنه رهيب.
مع آيات السورة
١- الغاشية هي الداهية التي تغشى بشدائدها، وتغمرهم بأهوالها، والمراد بها هنا يوم القيامة، وقد سبق في هذا الجزء وصف القيامة بالطامة والصاخة، وسيأتي وصفها بالقارعة، بما يناسب طبيعة التذكير والتهديد للمعاندين. والاستفهام هنا لتعظيم الأمر وتقديره، أي :هل سمعت قصة يوم القيامة وما يقع فيه ؟
وعن عمر بن ميمون، قال :مرّ النبي صلى الله عليه وسلم على امرأة تقرأ :هل أتاك حديث الغاشية. فقام يستمع ويقول :( نعم قد جاءني ).
والخطاب مع ذلك عام لكل من يسمع القرآن.
٢-٧- إن وجوه الكفار في هذا اليوم تكون ذليلة، لما يظهر عليها من الحزن والكآبة، وسوف يلقون تعبا وإرهاقا في النار بسبب أعمالهم السيئة، وسيدخلون النار المتأججة التي تلتهمهم، وإذا عطشوا من شدة حرها، وطلبوا ما يطفئ ظمأهم، سقوا، من عين آنية. أي :من ينبوع شديد الحرارة، وإن يستغيثوا يغاثوا بما كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا. ( الكهف :٢٩ ). وليس لهم طعام في النار إلا من ضريع، والضريع :شجر ذو شوك لائط بالأرض، فإذا كان رطبا سمي بالشبرق، وإذا جنى صار اسمه الضريع، ولم تستطع الإبل مذاقه فهو عندئذ سام، والأكل منه لون من ألوان العذاب الشديد، يضاف إلى ذلك الغسلين والغساق وباقي الألوان التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
٨-١١- وجوه يومئذ ناعمة* لسعيها راضية* في جنة عالية* لا تسمع فيها لاغية.
هنا وجوه يبدو عليها النعيم، ويفيض منها الرضا، وجوه تنعم بما تجد، وتشعر بالرضا عن عملها حين ترى رضا الله عنها، وهذا النعيم في جنة عالية المقام، مرتفعة على غيرها من الأماكن، لأن الجنة منازل ودرجات بعضها أعلى من بعض، كما أن النار دركات بعضها أسفل من بعض.
لا يسمع أهل الجنة لغوا ولا باطلا، وإنما يعيشون في جو من السكون والهدوء والسلام والاطمئنان، والود والرضا، والنجاء والسمر بين الأحبة والأوداء، والتنزه والارتفاع عن كل كلمة لاغية، لا خير فيها ولا عافية، وهذه وحدها نعيم وسعادة، وتوحي الجملة بأن المؤمنين في الأرض حين ينأون عن اللغو والباطل إنما ينعمون بطرف من حياة الجنة، ويتشبهون بأهلها.
١٢- فيها عين جارية. والعين الجارية :الينبوع المتدفق، والمياه الجارية متعة للنفس وللنظر، وقد افتخر بمثلها فرعون فقال :أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون. ( الزخرف :٥١ ).
١٣- فيها سرر مرفوعة. وفيها سرر عالية المكان والمقدار، ليرى المؤمن وهو عليها ما خوله الله من النعم.
١٤- وأكواب موضوعة. مصفوفة مهيأة للشرب، لا تحتاج إلى طلب ولا إعداد.
١٥- ونمارق مصفوفة. والنمارق الوسائد والحشايا، قد صفت بعضها إلى بعض للاتكاء في ارتياح.
١٦- وزرابيّ مبثوثة. والزرابي هي البسط ( أي :السجاجيد ). مبثوثة :أي :مبسوطة أو مفرقة هنا وهناك، كما تراه في بيوت أهل النعمة. كل ذلك لتصوير النعمة والرفاهية واللذة، وتقريبها لتصور الناس في الدنيا، وإلا فنعيم تلك الدار نعيم لا يشبهه في هذه الدار نعيم، فمتاع الدنيا قليل، ومتاع الآخرة لا شبيه له ولا مثيل، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذّ الأعين وأنتم فيها خالدون. ( الزخرف :٧١ ).
فيها النعيم والرضا، فيها السرور بالنجاة، والأنس برضوان الله، فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
١٧- أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت.
يلفت القرآن الأنظار إلى دلائل قدرة الله، وبديع صنعه، فلينظر الإنسان إلى الجمال كيف خلقت ؟ وليتدبر كيف وجدت على هذا النحو المناسب لوظيفتها، المحقق لغاية خلقها، المتناسق مع بيئتها ووظيفتها جميعا، إن الناس لم يخلقوها، وهي لم تخلق نفسها، فلا يبقى إلا أن تكون من إبداع المتفرد بصنعته، التي تدل عليه وتقطع بوجوده، كما تشى بتدبيره وتقديره.
١٨- وإلى السماء كيف رفعت. أفلا ينظرون إليها كيف رفعت ؟ ومن ذا رفعها بلا عمد ؟ ونثر فيها النجوم بلا عدد ؟ وجعل فيها هذه البهجة وهذا الجمال.
١٩- وإلى الجبال كيف نصبت. والجبل ملجأ وملاذ، وأنيس وصاحب، ومشهد يوحي إلى النفس الإنسانية جلالا واستهوالا، حيث يتضاءل الإنسان إلى جواره ويستكين، ويخشع للجلال السامق الرزين، ( ونصب الجبال إقامتها علما للسائر، وملجأ من الجائر، وهي في الأغلب نزهة للناظر )i، وأمان وحفظ لتوازن الأرض.
قال تعالى :وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم... ( الأنبياء :٣١ ).
وقال سبحانه :والجبال أوتادا. ( النبأ :٧ ). أي :وسيلة لحفظ نظام الأرض من الزلازل والبراكين وغيرها.
٢٠- وإلى الأرض كيف سطحت. والأرض مسطوحة أمام النظر، ممهدة للحياة والسير والعمل، والناس لم يسطحوها كذلك، فقد سطحت قبل أن يكونوا هم، أفلا ينظرون إليها، ويتدبرون ما وراءها، ويسألون من سطحها ومهدها هكذا للحياة تمهيدا ؟
( وقد أيقظ القرآن الحس، ولفت النظر إلى مشهد كلي يضم منظر السماء المرفوعة، والأرض المبسوطة وفي هذا المدى المتطاول تبرز الجبال منصوبة السنان، لا رأسية ولا ملقاة، وتبرز الجمال منصوبة السنام خطان أفقيان، وخطان رأسيان، في المشهد الهائل، في المساحة الشاسعة، وهي لوحة متناسقة الأبعاد والاتجاهات، على طريقة القرآن في عرض المشاهد، وفي التعبير بالتصوير على وجه الإجمال )ii.
والآن بعد الجولة الأولى في عالم الآخرة، والجولة الثانية في مشاهد الكون المعروضة، يخاطب النبي الكريم فيقول :
٢١-٢٤- فذكّر إنما أنت مذكّر* لست عليهم بمصيطر* إلا من تولّى وكفر* فيعذبه الله العذاب الأكبر.
فعظهم يا محمد بآيات القرآن، وذكرهم بالدعوة إلى الإله الواحد القهار، فالإنسان بفطرته ميسر للإذعان بقدرة الله وبديع صنعته، وإنما قد تتحكم الغفلات، فتحتاج النفوس إلى مذكر يردها إلى الحق والصواب.
إنما أنت مذكّر. أي :إنما بعثت للتذكير فحسب، وليس عليك هداهم :إن عليك إلا البلاغ، وتبليغ الدعوة وترك الناس أحرارا في اعتقادهم، فلا إكراه في الدين.
لست عليهم بمصيطر. والمصيطر :المتسلط، فأنت لا تجبرهم على الإيمان.
قال تعالى :وما أنت عليهم بجبّار فذكّر بالقرآن من يخاف وعيد. ( ق :٤٥ ).
فمن تولى عن الحق، وكفر بآيات الله، وأنكر الدعوة، فإن حسابه إلى الله المطلع على القلوب، وصاحب السلطان على السرائر، وسوف يعذبه الله العذاب الأكبر في الآخرة، وقد يضم إلى عذاب الآخرة عذاب الدنيا.
٢٥، ٢٦- إنّ إلينا إيابهم* ثم إنّ علينا حسابهم. وتختم السورة بهذا الإيقاع المناسب، لتؤكد دور الرسول في البلاغ، أما الجزاء والحساب فسيكون في يوم الدين، يوم يقوم الناس لرب العالمين، إن إلينا إيابهم ورجوعهم، ثم إن علينا وحدنا حسابهم حسابهم وجزاءهم.
قال تعالى :ونضع الموزين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين. ( الأنبياء :٤٧ ).
مقاصد السورة
١- وصف أهل النار وأهل الجنة.
٢- وصف مشاهد الكون وبدائع الصنعة الإلهية.
٣- تحديد مهمة الرسول صلى الله عليه وسلم بالبلاغ والدعوة إلى الهداية.

هول القيامة، وأحوال أهل النار.
بسم الله الرحمان الرحيم
﴿ هل أتاك حديث الغاشية ١ وجوه يومئذ خاشعة ٢ عاملة ناصبة ٣ تصلى نارا حامية ٤ تسقى من عين آنية ٥ ليس لهم طعام إلا من ضريع ٦ لا يسمن ولا يغني من جوع ٧ وجوه يومئذ ناعمة ٨ لسعيها راضية ٩ في جنة عالية ١٠ لا تسمع فيها لاغية ١١ فيها عين جارية ١٢ فيها سرر مرفوعة ١٣ وأكواب موضوعة ١٤ ونمارق مصفوفة ١٥ وزرابيّ مبثوثة ١٦ ﴾
المفردات :
الغاشية :القيامة تغشى الناس بأهوالها.
التفسير :
١- هل أتاك حديث الغاشية.
هل بلغك يا محمد خبر الغاشية التي تغشى الناس بأهوالها ؟ إذا لم يكن بلغك فأنا أحدّثك عنه.
المفردات :
خاشعة :ذليلة خاضعة من الخزي.
عاملة :تجرّ السلاسل والأغلال في النار.
ناصبة :تعبة مما تلاقيه فيها من العذاب.
التفسير :
٢، ٣- وجوه يومئذ خاشعة، عاملة ناصبة.
وجوه الكفار في ذلك اليوم العظيم خاشعة ذليلة مهينة، وليس هذا خشوع العبادة والتبتل والتفرغ التام لمناجاة الله، بل خشوع المهانة والمذلّة والحزن والألم.
قال تعالى :وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي... ( الشورى :٤٥ ).
عاملة ناصبة.
مستمرة في العمل والنّصب، وهو التعب الأليم، حيث يجرّون السلاسل، ويرسفون في الأغلال والقيود، ويذوقون الآلام والعذاب والمهانة، بلا فتور ولا استراحة بل يضاعف لهم العذاب :يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم... ( العنكبوت :٥٥ ).
وقيل :عملت في الدنيا أعمال السوء والتذت بها وتنعمت، فهي في نصب منها في الآخرة، وقيل :عملت في الدنيا على غير هدى، أو على غير إخلاص، فلا ثمرة لها إلا النصب، وخاتمتها النار.
المفردات :
تصلى نارا حامية :تدخل أو تقاسي نارا تناهى حرّها.
عين آنية :بلغت أناها ( غايتها ) في الحرارة.
التفسير :
٤، ٥- تصلى نارا حامية* تسقى من عين آنية.
تصطلى وتحرق بنار قد أحميت لمدة طويلة، حتى تضاعف حرها ولهيبها، وإذا اشتاقت إلى التبريد وشرب الماء ليلطّف الحرارة، فإنها تشرب من عين قد اشتد حرّها.
قال تعالى :وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا. ( الكهف :٢٩ ).
المفردات :
ضريع :شيء في النار، كالشوك مر منتن.
لا يغني من جوع :لا يدفع عنهم جوعا.
التفسير :
٦، ٧- ليس لهم طعام إلا من ضريع* لا يسمن ولا يغني من جوع.
يسلط على أهل النار الجوع، فيحتاجون إلى الطعام فيقدم لهم الضريع، وهو طعام خبيث به شوك، ويجبرون على أكل الطعام حتى تمتلئ بطونهم به، ومع هذا الألم فإن الطعام لا يقدم لهم الفائدة المرجوة، فلا يقدم لهم الشحم أو اللحم الذي يسمّن جسومهم، ولا الغذاء الذي يسدّ جوعهم، وقد تعددت أراء المفسرين وأهل اللغة في بيان الضريع.
( والرأى –والله أعلم- أنه من طعام أهل النار، لا يعرف له شبيه في الحياة الدنيا، ولهذا وصفه الله سبحانه بأنه :لا يسمن ولا يغني من جوع. أي :إنه لا تتقبله الأجسام، ولا تتفاعل معه، كما أنه لا يشبع جوع الجياع... )iii.
وقد ذكر في القرآن الكريم ألوان العذاب، وألون الطعام، وذكر في سورة الحاقة قوله تعالى :
ولا طعام إلا من غسلين. ( الحاقة :٣٦ ).
وهذا يفيد أن المعذبين من الكفار طبقات، فمنهم من طعامه في النار الضريع، ومنهم من طعامه الغسلين، ومنهم من طعامه الزقوم.
قال تعالى :إن شجرة الزّقوم* طعام الأثيم* كالمهل يغلي في البطون* كغلي الحميم. ( الدخان :٤٣ -٤٦ ).
وهي ألوان من العذاب في الطعام وفي الشراب وفي سمة الوجوه، وفي ألوان العذاب للأبدان، وفي ألوان الهوان للنفوس، وكأن الحق سبحانه يقول :
أيها الناس، أنقذوا أنفسكم من هذا العذاب، والوسيلة يسيرة، وهي أن تؤمنوا بالله تعالى وحده، وألا تشركوا به شيئا، وأن تؤمنوا بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وأن تؤمنوا بالقضاء والقدر خيره وشره، حلوه ومره.
المفردات :
ناعمة :ذات بهجة وحسن ونضارة.
التفسير :
٨، ٩، ١٠، ١١- وجوه يومئذ ناعمة* لسعيها راضية* في جنة عالية* لا تسمع فيها لاغية.
بعد أن ذكر حال أهل النار وما هم فيه من شقاء، ثنّى بذكر أهل الجنة وما هم فيه من نعيم.
وجوه يومئذ ناعمة.
في يوم القيامة نجد أهل الجنة ووجوههم يعلوها البشر والسرور، والنعيم والفرح والحبور.
قال تعالى :تعرف في وجوههم نضرة النعيم. ( المطففين :٢٤ ).
وقال عز شأنه :وجوه يومئذ مسفرة* ضاحكة مستبشرة. ( عبس :٣٨، ٣٩ ).
لسعيها راضية.
أي :لجزاء سعيها وعملها في الدنيا راضية مرضية، وقد رضيت عن ربها، ورضي ربها عنها.
قال تعالى :رضي الله عنهم ورضوا عنه... ( البينة :٨ ).
فهي نعيم الجنة، وزيادة على ذلك من رضوان الله تعالى.
حيث قال سبحانه :للذين أحسنوا الحسنة وزيادة... ( يونس :٢٦ ).
في جنة عالية.
في بساتين مرتفعة حسّيا ومعنويا، والبساتين العالية تتعرض لضوء الشمس، ويتميز نباتها بالخضرة الداكنة، وأي علو أفضل من علو الجنة ؟
إنهم يتمتعون بالثمار والأنهار والأشجار، والحور العين، وضيافة الجبار.
المفردات :
لاغية :لغوا وباطلا.
التفسير :
لا تسمع فيها لاغية.
لا تسمع في الجنة لغوا :وهو الباطل أو كل قبيح من الكلام، أو ما لا يعتدّ به من الأقوال والأفعال، فإن كلام أهل الجنة ذكر الله وتسبيحه، وحمد الله على ما رزقهم من النعيم الدائم.
قال تعالى :وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنّا الحزن إن ربنا لغفور شكور* الذي أحلّنا دار المقامة من فضله لا يمسّنا فيها نصب ولا يمسّنا فيها لغوب. ( فاطر :٣٤، ٣٥ ).
وفي الآية توجيه لأهل النعمة والغنى، أن يكون حديثهم ونعيمهم، نعيم أهل الفضل والجد، لا نعيم أهل الجهل والحمق.
التفسير :
١٢، ١٣، ١٤، ١٥، ١٦- فيها عين جارية* فيها سرر مرفوعة* وأكواب موضوعة* ونمارق مصفوفة* وزرابيّ مبثوثة.
والعين هنا اسم جنس، يراد بها عيون كثيرة متدفقة، جارية بالماء العذب الزلال الذي يقرّ العين، ويبهج النفس.
المفردات :
سرر مرفوعة :مرتفعة السّمك أو رفيعة القدر.
التفسير :
فيها سرر مرفوعة.
أسرّة مرتفعة عن الأرض، عالية المكان والمكانة، فإذا رغب المؤمن في الجلوس عليها، انخفضت من أجله.
المفردات :
أكواب موضوعة :أقداح بين أيديهم الشرب منها.
التفسير :
وأكواب موضوعة.
أواني الشرب معدة مرصودة لمن أرادها.
المفردات :
نمارق مصفوفة :وسائد ومرافق يتكأ عليها، موضوع بعضها إلى جنب بعض.
التفسير :
ونمارق مصفوفة.
والنمارق جمع نمرقة، بضم النون وكسرها، وهي الوسائد جمع وسادة، ( المسماة في عرف العامة :مسند أو مخدّة ). وسواء كانت هذه النمارق مصفوفة فوق الأسرة، أو في جوانب المساكن.
المفردات :
زرابي مبثوثة :بسط فاخرة مفرقة في المجالس.
التفسير :
وزرابيّ مبثوثة.
الزرابيّ :البسط، وقيل :البسط التي فيها خمل وقيق، أي :هدب، وزرابي جمع زربية، مثلثة الزاي.
قال المفسرون :هي بسط عراض فاخرة مبسوطة هنا وهناك لمن أراد الجلوس عليها. مبثوية. أي :مفرقة في المجالس.
مظاهر الكون، وختام السورة
﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ١٧ وإلى السماء كيف رفعت ١٨ وإلى الجبال كيف نصبت ١٩ وإلى الأرض كيف سطحت ٢٠ فذكّر إنما أنت مذكّر ٢١ لست عليهم بمصيطر ٢٢ إلا من تولّى وكفر ٢٣ فيعذّبه الله العذاب الأكبر ٢٤ إنّ إلينا إيابهم ٢٥ ثم إن علينا حسابهم ٢٦ ﴾
المفردات :
ينظرون :يتأملون فيدركون.
الإبل :الجمال، والإبل اسم جمع لا واحد له من لفظه، يصدق على القليل والكثير.
التفسير :
يستعرض القرآن أدلة القدرة، ويلفت النظر إلى مشاهد موحية للإنسان، بأن هذا الجمال في هذا الكون دليل على وجود الخالق سبحانه وتعالى :
١٧- أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت.
أفلا يتأمّلون في هذا الحيوان العجيب، طويل القامة، طويل الرقبة، إنه ذو قدرة على حمل الأثقال يجلس فيحمل الأحمال الثقيلة، ثم يقوم بنفسه، وله صبر على عدم شرب الماء يصل إلى سبعة أو ثمانية أيام، ويخضع للطفل الصغير.
قال العباس بن مرداس :
ترى الرجل النحيف فتزدريه وتحت ثيابه أسد مزير
ويعجبك الطرير فتبتليه فيخلف ظنّك الرجل الطرير
فما عظم الرجال لهم بفخر ولكن فخرهم كرم وخير
لقد عظم البعير بغير لب فلم يستغن بالعظم البعير
وتضربه الوليدة بالهراوى فلا غير لديه ولا نكير
ويكتفي الجمل في المرعى بما تيسر له من الشوك والشجر، وترى الجمل أعجب ما عند العرب، فهو عدّتهم في السفر والحضر، حتى سمّي الجمل سفينة الصحراء، كما أنهم ينتفعون بلحوم الجمال وألبانها وأوبارها.
والعربي يقع نظره على البعير، ثم ينظر إلى السماء فوقه، وإلى الأرض تحته، وإلى الجبال بجواره، فكانت المراعاة في جمع هذه الأشياء للدلالة على قدرة الله المبدعة التي أبدعت نظام هذا الكون.
١٨- وإلى السماء كيف رفعت.
هذه السماء العالية، من رفعها بلا عمد ؟ من أظلم ليلها ؟ من أضاء نهارها ؟ من زيّنها بالنجوم ؟ من سخر لها الشمس والقمر والليل والنهار ؟
١٩- وإلى الجبال كيف نصبت.
والتأمّل في الجبال يظهر عظمتها ورسوخها وشموخها، ثم إن الجبال تمتد في الأرض بحجم أكبر من الحجم البارز منها، بحيث تصبح ممسكة بالأرض حتى لا تميد ولا تضطرب، وفي أعلى الجبال تتكون الثلوج وتنزل المياه لتروي السفوح والوديان، ولأمر ما كانت رسالات السماء تنزل على الرسل وهم عند الجبال، حيث الصفاء والنقاء، فقد كلّم الله موسى من جانب الطور، ونزل الوحي على محمد صلى الله عليه وسلم وكان في غار حراء فوق جبل مرتفع، وكانت الجبال تردّد أناشيد داود.
قال تعالى :ولقد آتينا داود منّا فضلا يا جبال أوّبي معه... ( سبأ :١٠ ).
المفردات :
سطحت :بسطت ومهّدت للإقامة عليها.
٢٠- وإلى الأرض كيف سطحت.
أفلا ينظر الإنسان إلى الأرض كيف سطحت ؟ فنحن في نظر العين أو في مساحة كبيرة أمامنا نجد الأرض ممتدة، لتصلح للزراعة والصناعة واتخاذ الطرق، والاستفادة منها.
قال الآلوسي :ولا ينافي هذا القول بأنها كرة أو قريبة من الكرة.
وأما كونها مسطحة أو مبسوطة فإنما هو بالنسبة لعظمها، أو بالنسبة للناظرين إليها.
٢١- فذكّر إنما أنت مذكّر.
ذكّرهم بالآخرة يا محمد، ذكّرهم بالكون حولهم، ذكّرهم بالخلق والنشأة، ذكّرهم بالجحيم والنعيم، ذكّرهم بالفطرة التي ترشد وتلهم أن الكون البديع المنظّم، بما فيه من سماء وأرض وجبال وبحار، وهواء وفضاء، وشمس وقمر، وليل ونهار، لابد له من إله خالق قادر، فعال لما يريد وهو سبحانه على كل شيء قدير.
إنما أنت مذكّر. أرسلناك رسولا لتذكير الناس وإرشادهم، وإحياء فطرتهم، ولفت أنظارهم إلى آثار الله في النفس والآفاق.
المفردات :
بمصيطر :بمتسلط عليهم، قاهر لهم.
التفسير :
٢٢- لست عليهم بمصيطر.
أنت لا تملك من أمر قلوبهم شيئا حتى تقهرها وتقسرها على الهدية، لأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمان يقلبها كيف يشاء.
قال تعالى :إن عليم إلا البلاغ... ( الشورى :٤٨ ).
وقال تعالى :أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين. ( يونس :٩٩ ).
التفسير :
٢٣، ٢٤- إلا من تولّى وكفر* فيعذّبه الله العذاب الأكبر.
لكن من تولّى عن دعوى الله ورسوله، وكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فله عذاب أكبر في جهنم، أوله في الدنيا عذاب مثل قتل الكفار يوم بدر، وهزيمتهم في عدد من الغزوات، حتى فتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا.
وللكافرين عذاب أكبر وأعظم في الآخرة لأنه عذاب أبدي سرمدي لا يخفف عنهم، بل يضاعف لهم العذاب،
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٣: التفسير :
٢٣، ٢٤- إلا من تولّى وكفر* فيعذّبه الله العذاب الأكبر.
لكن من تولّى عن دعوى الله ورسوله، وكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، فله عذاب أكبر في جهنم، أوله في الدنيا عذاب مثل قتل الكفار يوم بدر، وهزيمتهم في عدد من الغزوات، حتى فتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجا.
وللكافرين عذاب أكبر وأعظم في الآخرة لأنه عذاب أبدي سرمدي لا يخفف عنهم، بل يضاعف لهم العذاب،

المفردات :
إيابهم :رجوعهم بعد الموت بالبعث.
التفسير :
ثم أكّد القرآن وقوع البعث والمعاد والحساب، فقال :
٢٥، ٢٦- إنّ إلينا إيابهم* ثم إنّ علينا حسابهم.
أي :إلينا وحدنا عودة الناس جميعا، عند البعث والحشر والحساب، ثم إن علينا وحدنا حسابهم ومجازاتهم على الإحسان وإحسانا، وعلى السوء سوءا، فليتوقع ذلك الكافر وليعمل حسابه، فقد أعطيت كل إنسان العقل والإرادة والاختيار، والحرية الكاملة في اختيار الطريق الذي يسلكه، والخطة التي يرتضيها، والدنيا عمل ولا حساب والآخرة حساب ولا عمل، والملك يوم القيامة لله الواحد القهار.
تم بحمد الله تعالى توفيقه تفسير سورة الغاشية.
i تفسير جزء عم، للأستاذ الإمام محمد عبده، ص ٨.
ii في ظلال القرآن، نقلا عن فصل التناسق الفني في كتاب التصوير الفني في القرآن. بتصرف.
iii التفسير القرآني للقرآن –عبد الكريم الخطيب المجلد الثامن الجزء ٣٠ ص ١٥٤٠.
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٥: المفردات :
إيابهم :رجوعهم بعد الموت بالبعث.

التفسير :

ثم أكّد القرآن وقوع البعث والمعاد والحساب، فقال :
٢٥، ٢٦- إنّ إلينا إيابهم* ثم إنّ علينا حسابهم.
أي :إلينا وحدنا عودة الناس جميعا، عند البعث والحشر والحساب، ثم إن علينا وحدنا حسابهم ومجازاتهم على الإحسان وإحسانا، وعلى السوء سوءا، فليتوقع ذلك الكافر وليعمل حسابه، فقد أعطيت كل إنسان العقل والإرادة والاختيار، والحرية الكاملة في اختيار الطريق الذي يسلكه، والخطة التي يرتضيها، والدنيا عمل ولا حساب والآخرة حساب ولا عمل، والملك يوم القيامة لله الواحد القهار.
تم بحمد الله تعالى توفيقه تفسير سورة الغاشية.
i تفسير جزء عم، للأستاذ الإمام محمد عبده، ص ٨.
ii في ظلال القرآن، نقلا عن فصل التناسق الفني في كتاب التصوير الفني في القرآن. بتصرف.
iii التفسير القرآني للقرآن –عبد الكريم الخطيب المجلد الثامن الجزء ٣٠ ص ١٥٤٠.

السورة التالية
Icon