0:00
0:00
سورة الغاشية
وهي مكية. وآياتها ست وعشرون آية، وقد تكلمت عن الغاشية وأن الناس بها فريقان: فريق في الجنة وفريق في السعير، ثم لفت الأنظار إلى بعض الآثار، ثم مرت بالنبي وتذكيره مع بيان أن المرجع إلى الله.
[سورة الغاشية (٨٨) :الآيات ١ الى ٢٦]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ (١) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خاشِعَةٌ (٢) عامِلَةٌ ناصِبَةٌ (٣) تَصْلى ناراً حامِيَةً (٤)
تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (٥) لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلاَّ مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (٧) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ (٨) لِسَعْيِها راضِيَةٌ (٩)
فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ (١٠) لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً (١١) فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤)
وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦) أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩)
وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤)
إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)
المفردات:
الْغاشِيَةِ المراد: يوم القيامة لأنه يغشى الناس بعذاب أليم. خاشِعَةٌ :
ذليلة. تَصْلى ناراً: تقاسى حرها. آنِيَةٍ: شديدة الحرارة. ضَرِيعٍ:
شائك لا خير فيه. لاغِيَةً: لغو لا فائدة فيه. عَيْنٌ جارِيَةٌ : ينبوع لا ينقطع. سُرُرٌ : جمع سرير. وَأَكْوابٌ : جمع كوب وهو ما نسميه الآن «كباية». وَنَمارِقُ: جمع نمرقة وهي الوسادة، أو ما نسميه الآن مسندا أو مخدة. وَزَرابِيُّ: جمع زربي وهو البساط، وأصله: النبات إذا كانت فيه حمرة وصفرة وخضرة. بِمُصَيْطِرٍ: بمتسلط. إِيابَهُمْ: رجوعهم.
المعنى:
هل سمعت قصة ذلك اليوم العظيم «١» ؟! إنه يوم يغشى الناس بالعذاب، ويغشى فيه وجوههم النار، يوم يفترق فيه الناس إلى الفريقين، فريق وجوهه يغشاها العذاب خاشعة ذليلة مما رأته من الإهانة والذل وقد كانت في الدنيا تعمل وتتعب، ولكنها لم تأخذ شيئا وَقَدِمْنا إِلى ما عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْناهُ هَباءً مَنْثُوراً «٢» ثم هي تقاسى النار وحرها بما قدمت من سيّئ الأعمال، وهي تسقى من عين شديدة الحرارة، إذا عطشت، حتى إذا خوت بطونهم وأحسوا بالجوع والحرمان جيء لهم بطعام من ضريع، لا يسمن لحما، ولا يدفع جوعا، فلا غناء فيه ولا فائدة.
- وقانا الله شرها- فهي فوق ما يتصور العقل، نار وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين.
وأما الفريق الثاني، فهو فريق أهل الجنة، وجوه- يومئذ تدخلها ناعمة- ذات بهجة وحسن نادر ناضرة، وهي- أى: أصحابها- لسعيها في الدنيا راضية، فرحة مستبشرة لأنها أدت عملها، وقامت بواجبها، وهي في جنة عالية المكان والوصف أو
(١) هذا استفهام أريد به التقرير ولفت النظر إلى هذا الحديث حتى كأنه الحديث المنفرد في بابه، وقيل: هل بمعنى قد.
(٢) سورة الفرقان آية ٢٣.
عالية البناء والركن، لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما، بل هو الحديث العذب، والفاكهة الحلوة، التي لا عبث فيها ولا مجون.
انظر إلى وصف أهل الجنة بالسرور والرضا عن أعمالهم في الدنيا، وأنهم في جنة مرتفعة، ثم هم لا يسمعون لغوا فيها، كما نرى عند الأغنياء والمترفين، في تلك الجنة العالية عيون لا ينقطع ماؤها ولا ينضب معينها. وفيها سرر مرفوعة قد أعدت للجلوس عليها أو النوم، وفيها أكواب موضوعة لاستخدامها وتناول المشروب بها وفيها نمارق ووسائد قد صفت على الأرائك والمقاعد، وفيها البسط الجميلة المنقوشة كالزرابى المبثوثة، وفي الواقع فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وهم فيها خالدون.
ولا عجب في هذا!! أنسوا فلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت «١» إنها خلقت على شكل بديع يدل على أن خالقها عليم بها بصير، أرأيت إلى عنقها وطوله وإلى خفها وحافرها كيف أعد للسير في الصحراء وإلى معدتها وكيف وضعت على شكل يسهل معه حفظ الماء أياما، أو لم ينظروا إلى السماء وما فيها كيف رفعت وعلقت في الهواء مع سرعة دورانها وشدة تجاذبها، أو لم ينظروا إلى الجبال كيف نصبت كالأعلام يهتدى بها السارى، ويلجأ إليها الخائف، ويقصدها المتنزه والمصطاف، أو لم ينظروا إلى الأرض كيف سطحت وبسطت، ومهدت للعيش عليها، أما جمع الإبل والسماء والجبال والأرض في سلك واحد فتلك هي أهم المرئيات عند العربي المخاطب بالقرآن الكريم ألا يدل ذلك كله على أنه قادر على كل شيء، إذا كان الأمر كذلك فذكر يا محمد هؤلاء الناس، واحملهم على النظر في ملكوت الله لعلهم يتفكرون، ولا تأس عليهم، إنما أنت مذكر فقط، لست على قلوبهم مسيطرا، إنما الذي يملك القلوب هو الله وحده، فهو الذي يقدر على إلجائهم إلى الإيمان، ولست عليهم مسلطا إلا من تولى وأعرض فسيسلطك الله عليه: أو المعنى: لست مستوليا عليهم لكن من تولى وأعرض فإن الله معذبه العذاب الأكبر، لأن إليه إيابهم، ثم إن عليه حسابهم.
(١) (كيف) حال مقدم من ضمير خلقت، وجملة (خلقت) :بدل اشتمال من الإبل.
السورة التالية
Icon