0:00
0:00

وهي مكية بلا خلاف في ذلك بين أهل التأويل.

قال بعض المفسرين : ﴿ هل ﴾ بمعنى قد، وقال الحذاق :هي على بابها توقيف، فائدته تحريك نفس السامع إلى تلقي الخبر، وقيل المعنى هل كان هذا من علمك لولا ما علمناك، ففي هذا التأويل تعديد النعمة. و ﴿ الغاشية ﴾ القيامة لأنها تغشى العالم كله بهولها وتغييرها لبنيته، قاله سفيان وجمهور من المتأولين، وقال ابن جبير ومحمد بن كعب : ﴿ الغاشية ﴾ النار، وقد قال تعالى ﴿ وتغشى وجوههم النار ﴾١ [ إبراهيم :٥٠ ]، وقال : ﴿ ومن فوقهم غواش ﴾٢ [ الأعراف :٤١ ] فهي تغشى سكانها والقول الأول يؤيده قوله تعالى : ﴿ وجوه يومئذ ﴾
١ من الآية ٥٠ من سورة إبراهيم..
٢ من الآية ٤١ من سورة الأعراف..
والوجوه الخاشعة، وجوه الكفار وخشوعها ذلها وتغيرها بالعذاب.
واختلف الناس في قوله تعالى : ﴿ عاملة ناصبة ﴾ فيها والنصب، التعب، لأنها تكبرت عن العمل لله في الدنيا فأعملها في الآخرة في ناره، وقال عكرمة والسدي :المعنى : ﴿ عاملة ﴾ في الدنيا ﴿ ناصبة ﴾ يوم القيامة، فالعمل على هذا هو مساعي الدنيا، وقال ابن عباس وزيد بن أسلم وابن جبير :المعنى :هي ﴿ عاملة ﴾ في الدنيا ﴿ ناصبة ﴾ فيها لأنها على غير هدى، فلا ثمرة لعملها إلا النصب وخاتمته النار. قالوا :والآية في القسيسين وعبدة الأوثان وكل مجتهد في كفر، وقد ذهب هذا المذهب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في تأويل الآية، وبكى رحمة لراهب نصراني رآه مجتهداً١، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال إن فيهم المجتهد٢، وقرأ ابن كثير في رواية شبل وابن محيصن : «عاملةً ناصبةً » بالنصب على الذم، والناصب فعل مضمر تقديره أذم أو أغني ونحو هذا.
١ أخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، والحاكم، عن أبي عمران الجوني، قال: مر عمر ابن الخطاب رضي الله عنه براهب فوقف، نودي على الراهب فقيل له: هذا أمير المؤمنين، فاطلع فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترك الدنيا، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: إنه نصراني فقال: قد علمت ولكني رحمته، وذكرت قول الله: (عاملة ناصبة تصلى نارا حامية) فرحمت نصبه واجتهاده وهو في النار..
٢ لم أقف عليه..
وقرأ الستة وحفص عن عاصم والأعرج وطلحة وأبو جعفر والحسن : «تَصْلى » بفتح التاء وسكون الصاد على بناء الفعل للفاعل، أي الوجوه، وقرأ أبو بكر عن عاصم وأبو عمرو بخلاف عنه وأبو رجاء وأبو عبد الرحمن وابن محيصن، واختلف عن نافع وعن الأعرج «تُصْلى » تضم التاء وسكون الصاد، وذلك يحتمل أن يكون من صليته النار على معنى أصليته، فيكون كتضرب، ويحتمل أن يكون من أصليت، فتكون كتكرم، وقرأ بعض الناس : «تُصَلّى » بضم التاء وفتح الصاد وشد اللام على التعدية بالتضعيف، حكاها أبو عمرو بن العلاء، و «الحامية »، المتوقدة المتوهجة.
و «الآنية » :التي قد انتهى حرها كما قال تعالى ﴿ وبين حميم آن ﴾١ [ الرحمن :٤٤ ]، قاله ابن عباس والحسن ومجاهد، وقال ابن زيد :معنى ﴿ آنية ﴾ :حاضرة لهم من قولك آن الشيء إذا حضر.
١ من الآية ٤٤ من سورة الرحمن..
واختلف الناس في «الضريع »، فقال الحسن وجماعة من المفسرين :هو الزقوم، لأن الله تعالى قد أخبر في هذه الآية أن الكفار لا طعام لهم ﴿ إلا من ضريع ﴾، وقد أخبر أن الزقوم طعام الأثيم١، فذلك يقتضي أن الضريع الزقوم، وقاله سعيد بن جبير «الضريع » :الحجارة، وقال مجاهد وابن عباس وقتادة وعكرمة : «الضريع » شبرق٢ النار، وقال أبو حنيفة : «الضريع » الشبرق وهو مرعى سوء لا تعقد السائمة عليه شحماً ولا لحماً، ومنه قول أبي عيزارة الهذلي : [ الطويل ]
وحبسْنَ في هزم الضريع فكلها. . . جرباء دامية اليدين حرود٣
وقال أبو ذؤيب :
رعى الشبرق الريان حتى إذا ذوى. . . وعاد ضريعاً بان منه النحائض٤
وقيل «الضريع » :العشرق٥، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «الضريع » :شوك في النار٦، وقال بعض اللغويين : «الضريع » يبيس العرفج٧ إذا تحطم، وقال آخرون :هو رطب العرفج، وقال الزجاج :هو نبت كالعوسج٨، وقال بعض المفسرين : «الضريع » نبت في البحر أخضر منتن مجوف مستطيل له بورقية كثيرة، وقال ابن عباس : «الضريع » :شجر من نار، وكل من ذكر شيئاً مما ذكرناه فإنما يعني أن ذلك من نار ولا بد، وكل ما في النار فهو نار. وقال قوم : ﴿ ضريع ﴾ واد في جهنم، وقال جماعة من المتأولين : «الضريع » طعام أهل النار ولم يرد أن يخصص شيئاً مما ذكرنا، وقال بعض اللغويين :وهذا لا تعرفه العرب، وقيل : «الضريع » :الجلدة التي على العظم تحت اللحم، ولا أعرف من تأول الآية بهذا، وأهل هذه الأقاويل يقولون الزقوم لطائفة، والضريع لطائفة والغسلين لطائفة، واختلف في المعنى الذي سمي ضريعاً فقيل هو ضريع بمعنى مضرع أي مضعف للبدن مهزل، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في ولد جعفر بن أبي طالب : «ما لي أراهما ضارعين٩ » ؟ يريد هزيلين، ومن فعيل بمعنى مفعل قول عمرو بن معد يكرب : [ الوافر ] __
أمن ريحانة الداعي السميع. . . يؤرقني وأصحابي هجوم١٠
يريد السمع، وقيل ﴿ ضريع ﴾ فعيل من المضارعة، أي الاشتباه لأنه يشبه المرعى الجيد ويضارعه في الظاهر وليس به.
١ وذلك في قوله تعالى في الآيتين (٤٣، ٤٤) من سورة الدخان: (إن شجرة الزقوم طعام الأثيم)..
٢ جاء في اللسان: "الشبرق بالكسر نبات غض، وقيل: شجر منبته نجد وتهامة، وثمرته ساكة صغيرة الجرم، حمراء مثل الدم، منبتها السباخ والقيعان، واحدته شبرقة"..
٣ البيت في اللسان، والقرطبي، والبحر المحيط، وفتح القدير، وفي التاج، والكشاف، والشاعر هو قيس بن عيزارة –بفتح العين- والبيت في وصف إبل وسوء مرعاها، وقد وصفها يشدة الهزال، وهزم الضريع: ما تكسر منه، والحدباء: الناقة التي ظهرت حراقفها – والحرقفة رأس الورك- وكبر ظهرها وبدا عاليا، والحرود: التي لا تكاد تدر لبنا، والسبب في أن يديها دميت أنها ترعى هذا الشوك وتتعرض له..
٤ البيت في القرطبي، والبحر المحيط، وفتح القدير، والكشاف، وقد نسب فيها كلها إلى أبي ذؤيب الهذلي، ولكنا لم نجده في ديوانه، والشبرق: نبت يسميه أهل الحجاز ضريعا إذا يبس، وغيرهم يسميه الشبرق، وذوى: ذبل ويبس وضعف، والنحائص: جمع نحوص، وهي الأتان الوحشية، وقيل: هي التي في بطنها ولد، وقال الأصمعي: النحوص من الأتن هي التي لا لبن بها، وقيل: هي التي لا لبن بها ولا ولد لها..
٥ العشرق: من الحشيش، ورقه شبيه بورق الغار، إلا أنه أعظم منه وأكبر، إذا حركته الريح تسمع له زجلا، وله حمل كحمل الغار إلا أنه أعظم منه. (راجع اللسان)..
٦ أخرجه ابن مردويه بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما، (ليس لهم طعام إلا من ضريع)، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (شيء يكون في النار، شبه الشوك، أمر من الصبر، وأنتن من الجيفة، وأشد حرا من النار، سماه الله الضريع، إذا طعمه صاحبه لا يدخل البطن، ولا يرتفع إلى الفم، فيبقى بين ذلك، ولا يغني من جوع. (الدر المنثور)..
٧ العرفج: نبت سهلي سريع الاتقاد، واحدته عرفجة، وقيل: هو من شجر الصيف وهو لين أغبر، له ثمرة خشناء كالحسك..
٨ العوسج: شجر من شجر الشوك، له ثمر أحمر مدور كأنه خرز العقيق، والمفرد: عوسجة. (عن اللسان)..
٩ أخرجه ملك في الموطأ، في كتاب العين..
١٠ هذا البيت هو مطلع قصيدة مشهورة للشاعر ذكر صاحب الأغاني سببين لإنشادها، أولهما أن عمرا هذا تزوج امرأة من مراد تسمى "ريحانة"، وذهب مغيرا قبل أن يدخل بها، فلما قدم أخبر أنه قد ظهر بها وضح –وهو داء تحذره العرب- فطلقها وتزوجها رجل آخر من بني مازن بن ربيعة، وبلغ ذلك عمرا، كما بلغه أن ما قيل عن مرضها غير صحيح، فأخذ يشبب بها. وثانيهما أن "ريحانة" هذه هي أخته، وأن الصمة –والد دريد بن الصمة- قد سباها بعد أن غزا بني يزيد، ولم يستطيع عمرو أن يسترجعها. والشاهد هنا أن "السميع" بمعنى "المسمع" كما أن "البديع" بمعنى "المبدع"، والمعنى: إن الشوق الداعي المسمع يؤرقني في الوقت الذي ينام فيه أصحابي ويستريحون، على أن للنحويين كلاما كثيرا في هذا البيت، فمنهم من يقول ما ذكرناه ومنهم من يخالف، ويدور بين الطرفين نقاش طويل في الإعراب وفي المعنى. والبيت في الأصمعيات واللسان، والتاج، وفي الخزانة، والشعر والشعراء. .
ولما ذكر تعالى وجوه أهل النار، عقب ذلك بذكره وجوه أهل الجنة ليبين الفرق.
وقوله تعالى : ﴿ لسعيها ﴾ يريد لعملها في الدنيا وطاعتها، والمعنى لثواب سعيها والتنعيم عليه.
ووصف الجنة بالعلو وذلك يصح من جهة المسافة والمكان ومن جهة المكانة والمنزلة أيضاً.
وقرأ نافع وحده وابن كثير وأبو عمرو بخلاف عنهما والأعرج وأهل مكة والمدينة «لا تسمع فيها لاغية » أي ذات لغو، فهي على النسب، وفسره بعضهم على معنى لا تسمع فيها فئة أو جماعة لاغية ناطقة بسوء. قال أبو عبيدة : ﴿ لاغية ﴾ ؛ مصدر كالعاقبة والخائنة، وقرأ الجحدري «لا تُسمع » بضم التاء، «لاغيةً » بالنصب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو : «لا يُسمع » بالياء من تحت مضمومة «لاغيةٌ » بالرفع، وهي قراءة ابن محيصن وعيسى والجحدري أيضاً. إلا أنه قرأ : [ لاغية ] بالنصب، على معنى :لا يسمع أحد كلمة لاغية، من قولك :أسمعت زيدا، وقرأ الباقون، ونافع –في رواية خارجة- والحسن، وأبو رجاء، وأبو جعفر، وقتادة وابن سيرين، وأبو عمرو –بخلاف عنه- :( لا تسمع ) بفتح التاء [ لاغية ] بالنصب، والمعنى إما على الكلمة وإما على الفئة، والفاعل ب [ تسمع ] إما الوجوه، وإما محمد صلى الله عليه وسلم –قاله الحسن- وإما أنت أيها المخاطب عموما. و " اللغو " سقط القول، فذلك يجمع الفحش وسائر الكلام السفساف١ الناقص، وليس في الجنة نقصان ولا عيب فعل ولا قول، والحمد لله ولي النعمة.
١ أي: الحقير الرديء من كب قول أو فعل..
﴿ عين ﴾ في هذه الآية اسم جنس، ويحتمل أن تكون عيناً مخصوصة ذكرت على جهة التشريف لها.
و «رفع السرر » أشرف لها.
و «الأكواب » أوان كالأباريق لا عرى لها ولا آذان ولا خراطيم، وشكلها عند العرب معروف. و ﴿ موضوعة ﴾ معناه بأشربتها معدة.
و «النمرقة » الوسادة، ويقال نمرقة بكسر النون والراء وقال زهير : [ الطويل ]
كهولاً وشباناً حساناً وجوههم. . . على سُررِ مصفوفةٍ ونمارق١
١ لم أجد هذا البيت في ديوان زهير "دار صادر ببيروت" وقد ذكره في البحر المحيط منسوبا أيضا إلى زهير، والكهل: الرجل إذا جاوز الثلاثين ووخطه الشيب، قال ذلك في الصحاح، والسرر: جمع سرير، والنمارق: جمع نمرقة، وهي بضم النون، وقد تأتي بكسرها كما قال ابن عطية، قال الفراء: النمرقة هي الوسادة، وفي الحديث: (اشتريت نمرقة)..
و «الزرابي » واحدتها زربية، ويقال بفتح الزاي وهي كالطنافس لها خمل١، قاله الفراء وهي ملونات، و ﴿ مبثوثة ﴾ معناه كثيرة متفرقة.
١ الخمل: هدب القطيفة ونحوها مما ينسج وله فضول، وقد يقال الخمل على القطيفة نفسها. (المعجم الوسيط)..
ثم أقام تعالى الحجة على منكري قدرته على بعث الأجساد بأن وقفهم على موضع العبرة في مخلوقاته، و ﴿ الإبل ﴾ في هذه الآية هي الجمال المعروفة، هذا قول جمهور المتأولين، وفي الجمل آيات وعبر لمن تأمل ليس في الحيوان ما يقوم من البروك بحمله سواه وهو على قوته غاية في الانقياد. قال الثعلبي في بعض التفاسير :إن فأرة جرت بزمام ناقة فتبعتها حتى دخلت الحجر فبركت الناقة وأذنت رأسها من فم الحجر، وكان سريح القاضي يقول لأصحابة :اخرجوا بنا إلى الكناسة١ حتى ننظر إلى الإبل كيف خلقت، وقال أبو العباس المبرد ﴿ الإبل ﴾ هنا السحاب، لأن العرب قد تسميها بذلك إذ تأتيها أرسالاً كالإبل وتزجى كما تزجى٢ الإبل في هيئتها أحياناً تشبه الإبل والنعام، ومنه قول الشاعر :المتقارب ]
كأن السحاب دوين السما. . . نعام تعلق بالأرجلِ٣
وقرأ أبو عمر بخلاف وعيسى «الإبلّ » بشد اللام٤ وهي السحاب فيما ذكر قوم من اللغويين والنقاش وقرأ الجمهور «خُلقَت » بفتح القاف وضم الخاء، وقرأ علي بن أبي طالب «خَلقْت » بفتح الخاء وسكون القاف على فعل التكلم، وكذلك رفعت ونصبت «وسطحت » وقرأ أبو حيوة «رفّعت » و «نصّبت » و «سطّحت » بالتشديد فيها.
١ الكناسة: سوق الكوفة، وكانت الإبل تأتي إليها بالبضائع أو تصدر عنها، وهي مثل المربد سوق البصرة. وتنطق بضم الكاف..
٢ زجى الشيء وأزجاه: ساقه ودفعه، والريح تزجي السحاب، أي تسوقه سوقا رفيقا، وفي الكتاب العزيز: (ألم تر أن الله يزجي سحابا)..
٣ البيت في البحر المحيط غير منسوب أيضا، و "دون" نقيض "فوق" ويقال: هذا دون ذلك، أي أقرب منه، وقد صغرها الشاعر هنا ليشير إلى أن المسافة بين السحاب والسماء قليلة، وهذا يعني أن السحاب كثير الارتفاع، والبيت يدل على أن السحاب قد شبه بالإبل، ولكنه قطعا لا يعطي دلالة لغوية على أن الإبل هي السحاب كما يقول أصحاب هذا الكلام..
٤ الإبل: لا واحد لها من لفظها، وهي مؤنثة مثل أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها، ويقال: "إبل" بسكون الباء، والجمع :آبال..
و ﴿ نصبت ﴾ معناه :أثبتت قائمة في الهواء لا تنتطح.
وقرأ الجمهور «سطِحت » وقرأ هارون الرشيد «سطّحت » بشد الطاء على المبالغة، وهي قراءة الحسن، وظاهر هذه الآية أن الأرض سطح لها كرة، وهو الذي عليه أهل العلم، والقول بكريتها وإن كان لا ينقض ركناً من أركان الشرع، فهو قول لا يثبته علماء الشرع١.
١ كان هذا في عصره، أما الآن فلا يقبل هذا الفهم، ومعنى الآية لا يتعارض مع الحقائق والواقع، فالأرض مسطوحة أمام العين فقط، ولم تتعرض الآية لكرويتها أو انبساطها من أولها إلى آخرها، والقرآن الكريم يقول في آية أخرى: (والأرض بعد ذلك دحاها). .
ثم أمر تعالى نبيه بالتذكير بهذه الآية ونحوها.
ثم نفى أن يكون مصيطراً على الناس، أي قاهراً جاهداً مع تكبر تسلطاً عليهم، يقال تسيطر علينا فلان، وقرأ بعض الناس «بمسيطر » بالسين وبعضهم بالصاد، وقد تقدم وقرأ هارون «بمصيطَر » بفتح الطاء وهي لغة تميم وليس في كلام العرب على هذا البناء غير مسيطر ومبيطر ومبيقر ومهيمن١، وفي الأسماء " المديبر، ومجيمر "، وهو اسم واد، ويحتمل أن يكون هذان مصغرين٢.
١ وهذه الأربعة أسماء فاعلين، من: سيطر، وبيطر، وبيقر، وهيمن..
٢ فهما في الأصل: مدبر ومجمر، وبعد التصغير كانا مديبر ومجيمر..
وقوله تعالى : ﴿ إلا من تولى وكفر ﴾ قال بعض المتأولين الاستثناء متصل والمعنى ﴿ إلا من تولى ﴾ فإنك مصيطر عليه فالآية على هذا لا نسخ فيها وقال آخرون منهم، الاستثناء منفصل، والمعنى ﴿ لست عليهم بمصيطر ﴾ وتم الكلام، وهي آية موادعة منسوخة بالسيف ثم قال ﴿ إلا من تولى وكفر فيعذبه الله ﴾، وهذا هو القول الصحيح لأن السورة مكية، والقتال إنما نزل بالمدينة، و ﴿ من ﴾ بمعنى الذي. وقرأ ابن عباس، وزيد بن أسلم، وقتادة، وزيد بن علي :( ألا نت تولى ) بفتح الهمزة، على معنى استفتاح الكلام، و [ من ] –على هذه القراءة- شرطية.
و " العذاب الأكبر " عذاب الآخرة، لأنهم قد عذبوا في الدنيا بالجوع والقتل وغيرهما، وقرأ ابن مسعود :" فإنه يعذبه الله ".
وقرأ الجمهور ( إيابهم ) مصدر من آب يؤوب اذا رجع وهو الحشر والمراد الى الله وقرا أبو جعفر بن القعقاع ( إيابهم ) بشد الياء على وزن فعال بكسر الفاء أصله فيعال من أيب فعل أصله فيعل ويصح ان يكون اوب فيجيء إيوابا وسهلت الهمزة وكان اللازم في الإدغام يردها اوابا لكن استحسنت فيه الياء على غير قياس١ انتهى
١ قال صاحب اللوامح وتبعه الزمخشري: "هو نحو كذب كذبا، وقيل فيه "إيوابا. لأن الواو الأولى قلبت ياء لانكسار ما قبلها"، ويرفض أبو حيان في البحر المحيط هذا الكلام، ويناقشه مناقشة لغوية مبسوطة. وقال الأزهري: "لا أدري من قرأ "إيابهم" بالتشديد، والقراء على التخفيف"..
لاغِيَةً مصدر كالعاقبة والخائنة، وقرأ الجحدري «لا تسمع» بضم التاء، «لاغية» بالنصب، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: «لا يسمع» بالياء من تحت مضمومة «لاغية» بالرفع، وهي قراءة ابن محيصن وعيسى والجحدري أيضا. إلا أنه قرأ «لاغية» بالنصب على معنى لا يسمع أحد كلمة لاغية من قولك أسمعت زيدا.
وقرأ الباقون ونافع في رواية خارجة والحسن وأبو رجاء وأبو جعفر وقتادة وابن سيرين وأبو عمرو بخلاف عنه «لا تسمع» بفتح التاء ونصب «لاغية»، والمعنى إما على الكلمة وإما على الفئة، والفاعل ب «تسمع» إما الوجوه وإما محمد ﷺ قاله الحسن وإنما أنت أيها المخاطب عموما، واللغو سقط القول، فذلك يجمع الفحش وسائر الكلام السفساف الناقص وليس في الجنة نقصان ولا عيب في فعل ولا قول، والحمد لله ولي النعمة.
قوله عز وجل:
[سورة الغاشية (٨٨) :الآيات ١٢ الى ٢٦]
فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ (١٢) فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣) وَأَكْوابٌ مَوْضُوعَةٌ (١٤) وَنَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ (١٥) وَزَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ (١٦)
أَفَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ (٢٠) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١)
لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) إِلاَّ مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ الْعَذابَ الْأَكْبَرَ (٢٤) إِنَّ إِلَيْنا إِيابَهُمْ (٢٥) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنا حِسابَهُمْ (٢٦)
عَيْنٌ في هذه الآية اسم جنس، ويحتمل أن تكون عينا مخصوصة ذكرت على جهة التشريف لها. و «رفع السرر» أشرف لها، و «الأكواب» أوان كالأباريق لا عرى لها ولا آذان ولا خراطيم، وشكلها عند العرب معروف. ومَوْضُوعَةٌ معناه بأشربتها معدة و «النمرقة» الوسادة، ويقال نمرقة بكسر النون والراء وقال زهير: [الطويل]
كهولا وشبانا حسانا وجوههم على سرر مصفوفة ونمارق
و «الزرابي» واحدتها زريبة، ويقال بفتح الزاي وهي كالطنافس لها خمل، قاله الفراء وهي ملونات، ومَبْثُوثَةٌ معناه كثيرة متفرقة، ثم أقام تعالى الحجة على منكري قدرته على بعث الأجساد بأن وقفهم على موضع العبرة في مخلوقاته، والْإِبِلِ في هذه الآية هي الجمال المعروفة، هذا قول جمهور المتأولين، وفي الجمل آيات وعبر لمن تأمل ليس في الحيوان ما يقوم من البروك بحمله سواه وهو على قوته غاية في الانقياد. قال الثعلبي في بعض التفاسير: إن فأرة جرت بزمام ناقة فتبعتها حتى دخلت الجحر فبركت الناقة وأذنت رأسها من فم الحجر، وكان سريح القاضي يقول لأصحابة: اخرجوا بنا إلى الكناسة حتى ننظر؟؟؟ إلى الإبل كيف خلقت، وقال أبو العباس المبرد الْإِبِلِ هنا السحاب، لأن العرب قد تسميها بذلك إذ تأتيها أرسالا كالإبل وتزجى كما تزجى الإبل في هيئتها أحيانا تشبه الإبل والنعام، ومنه قول الشاعر:
[المتقارب]
كأن السحاب دوين السما... نعام تعلق بالأرجل
وقرأ أبو عمرو بخلاف وعيسى «الإبل» بشد اللام وهي السحاب فيما ذكر قوم من اللغويين والنقاش، وقرأ الجمهور «خلقت» بفتح القاف وضم الخاء، وقرأ علي بن أبي طالب «خلقت» بفتح الخاء وسكون القاف على فعل التكلم، وكذلك رفعت ونصبت «وسطحت»، وقرأ أبو حيوة «رفّعت» و «نصّبت» و «سطّحت» بالتشديد فيها، ونُصِبَتْ معناه: أثبتت قائمة في الهواء لا تنتطح، وقرأ الجمهور «سطحت»، وقرأ هارون الرشيد «سطّحت» بشد الطاء على المبالغة، وهي قراءة الحسن، وظاهر هذه الآية أن الأرض سطح لا كرة، وهو الذي عليه أهل العلم، والقول بكريتها وإن كان لا ينقص ركنا من أركان الشرع، فهو قول لا يثبته علماء الشرع، ثم أمر تعالى نبيه بالتذكير بهذه الآية ونحوها، ثم نفى أن يكون مصيطرا على الناس، أي قاهرا جاهدا لهم مع تكبر تسلطا عليهم، يقال تسيطر علينا فلان، وقرأ بعض الناس «بمسيطر» بالسين وبعضهم بالصاد، وقد تقدم وقرأ هارون «بمصيطر» بفتح الطاء وهي لغة تميم وليس في كلام العرب على هذا البناء غير مسيطر ومبيطر ومبيقر ومهيمن. وقوله تعالى: إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ قال بعض المتأولين الاستثناء متصل والمعنى إِلَّا مَنْ تَوَلَّى فإنك مصيطر عليه فالآية على هذا لا نسخ فيها وقال آخرون منهم:
الاستثناء منفصل، والمعنى لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ وتم الكلام. وهي آية موادعة منسوخة بالسيف ثم قال إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ، وهذا هو القول الصحيح لأن السورة مكية، والقتال إنما نزل بالمدينة، ومَنْ بمعنى الذي. وقرأ ابن عباس وزيد بن أسلم وقتادة وزيد بن على «ألا من تولى» بفتح الهمزة على معنى: استفتاح الكلام، ومَنْ على هذه القراءة شرطية، والْعَذابَ الْأَكْبَرَ عذاب الآخرة لأنهم قد عذبوا في الدنيا بالجوع والقتل وغيره، وقرأ ابن مسعود «فإنه يعذبه الله» وقرأ الجمهور «إيابهم» مصدر من آب يؤوب إذا رجع، وهو الحشر، والمراد إلى الله، وقرأ أبو جعفر بن القعقاع «إيّابهم» بشد الياء على وزن فعال بكسر الفاء أصله فيعال من أيب فعل أصله فيعل، ويصح أن يكون أوب فيجيء إيوابا، وسهلت الهمزة وكان اللازم في الإدغام يردها أوابا، لكن استحسنت فيه الياء على غير قياس. (انتهى).
السورة التالية
Icon