0:00
0:00

الآية ١ :قوله تعالى : ﴿ هل أتاك حديث الغاشية ﴾ قيل معناه :قد أتاك حديث الغاشية. فإما أن يكون الإتيان سابقا [ وإما ]١ أتاه حديث الغاشية بنفس هذه السورة.
ثم في هذه الآيات ترغيب في ما تحمد عاقبته، وتحذير عما يذم في العاقبة، وتبيين أن العاقبة المحمودة متصلة باكتسابه وكدحه، وكذلك العاقبة المذمومة ينالها بعمله ونصبه.
ثم اختلف في تأويل الغاشية ؛ فقيل :الغاشية النار تغشاهم كما قال تعالى : ﴿ لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ﴾ [ الزمر :١٦ ] وقال في آية أخرى : ﴿ وتغشى وجوههم النار ﴾ [ إبراهيم :٥٠ ].
ومنهم من يقول :الغاشية، هي الساعة، سميت غاشية، لأنها تغشى الصغير والكبير والمحمود والمذموم والشقي والسعيد، فيعمهم جميعا. وهذا التأويل أقرب لأنه ذكر الغاشية أولا، ثم ذكر الجزاء بعد ذلك بقوله : ﴿ وجوه يومئذ خاشعة ﴾ ﴿ عاملة ناصية ﴾ [ الآيتان :٢ و٣ ] وقوله تعالى : ﴿ وجوه يومئذ ناعمة ﴾ [ الآيات :٨ و. . . ].
١ في الأصل وم: أو..
الآية ٢ :ثم قوله : ﴿ وجوه يومئذ خاشعة ﴾ أي ذليلة، وإنما خص الوجه بالذكر لأن الحزن والسرور إذا استحكما في القلب أثرا في الوجه، فيكون في ذكر الوجه وصف الغابة التي هم عليها من الذل.
الآية ٣ :وقوله تعالى : ﴿ عاملة ناصبة ﴾ قال بعضهم : [ جائز أن يكون منصرفا ]١ إلى عبادة الكفرة، وهو أنهم بقوا أبدا في النصب والعمل في الدنيا والآخرة.
[ قال بعضهم : ]٢ جائز أن يكون نصبها وعملها في النار، وهو أنها لم تعمل في الدنيا، بل تكبرت عن طاعة الله، فأعملها، وأنصبها في الآخرة بمعالجة الأغلال والسلاسل في النار الحامية، أو عملت في الدنيا بالمعاصي، ونصبت في الآخرة، فيكون فيه تبيين العمل والجزاء.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: و..
الآية ٤ :وقوله تعالى : ﴿ تصلى نارا حامية ﴾ أي حارة، قد أحماها الله تعالى من يوم خلقت إلى الوقت التي تسقى منها.
الآية ٥ :وقوله تعالى : ﴿ تسقى من عين آنية ﴾ قيل :الآني الذي قد انتهى في الحر غايته حتى لا حر لآخر فيه.
الآية ٦ :وقوله تعالى : ﴿ ليس لهم طعام إلا من ضريع ﴾ اختلف في الضريع/٦٣٨ – ب/ فمنهم من يقول :سمي ضريعا لأنهم يتضرعون عنه، ويجزعون إذا أطعموا. ومنهم من جعل الضريع لونا من ألوان العذاب، لم يبينه الله تعالى للخلق. ومنهم من قال :الضريع اسم لنبت عرفته العرب في ما بينهم، يأكله الإبل والدواب ما دام رطبا، فإذا هاج، ويبس، تركت الدواب أكله، وعافته لخبثه وكثرة ما عليه من الشوك، ويسمونه شبرقا في الربيع، وإذا هاج، وخف، سموه ضريعا. فذلك النبث في الدنيا يعمل في إسمان الدابة، ويغنيها من الجوع.
الآية ٧ :فنفى الله تعالى وجه الإسمان والإغناء، وحصل١ أمره على الخبث بقوله : ﴿ لا يسمن ولا يغنى من جوع ﴾ وهو كقوله : ﴿ في سدر مخضود ﴾ [ الواقعة :٢٨ و٢٩ ] فالسدر اسم شجرة ذات شوك في الدنيا، فأنشئت في الآخرة بلا شوك.
ووصف خمر الجنة، فقال : ﴿ لا يصدعون عنها ولا ينزفون ﴾ [ الواقعة :١٩ ] والخمر في الدنيا تعمل في التصديع، وهي تنزف، فنفى هذه الآفات، وجعلها للشاربين، فكذلك الضريع نفى عنه ما يقع به الإسمان والإغناء، وحصّل أمره على الخبث، والله أعلم.
١ الواو ساقطة من الأصل..
الآيتان ٨ و٩ :وقوله تعالى : ﴿ وجوه يومئذ ناعمة ﴾ ﴿ لسعيها راضية ﴾ أي ناعمة بما عاينت من عاقبة عملها الصالح في الدنيا، ورضيت بما أوتيت جزاء عن سعيها في الدنيا، جعل الله تعالى في وجوه الخلق يوم القيامة آثار صنائعهم في الدنيا.
فمن أطاعه جعل علم طاعته في وجهه يوم القيامة، ومن عصاه جعل أثره في وجهه، يعرف به.
الآية ١٠ :وقوله تعالى : ﴿ في جنة عالية ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :أن يكون قد علا قدرها، وعظم شأنها، فيكون ﴿ عالية ﴾ نعتا للجنة، فوصفها بالعلو من هذا الوجه.
والثاني :يحتمل العلو من حيث الدرجات والمكان، والله أعلم.
الآية ١١ :وقوله تعالى : ﴿ لا تسمع فيها لاغية ﴾ ما يحق أن يلغى من الشتم ومن كل ما يؤثم صاحبه، بل هم كما وصفهم الله تعالى : ﴿ ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين ﴾ [ الحجر :٤٧ ].
ثم الذي يحمل المرء على شتم المرء إما ضمر أضمره في صدره [ وإما ]١ خصومة حدثت بينهما [ وإما ]٢ آفة تدخل في عقله بسكر وما أشبهه، والله تعالى نفى عن الشراب الآفات٣ بقوله : ﴿ لا يصدّعون عنها ولا ينزفون ﴾ [ الواقعة :١٩ ] ونزع الغل عن صدورهم، فارتفعت دواعي السفه كلها، فلا يسمع فيها ما يحق أن يلغى به.
١ في الأصل وم: أو..
٢ في الأصل وم: أو..
٣ في الأصل وم: والآفات..
الآية ١٢ :وقوله تعالى : ﴿ فيها عين جارية ﴾ أي عيونها جارية تأخذها العين، وتجري على وجهها، ليست كمياه الدنيا في أن بعضها يجري على وجه الأرض وبعضها تحتها نحو ماء القناة وماء البئر.
الآية ١٣ :وقوله تعالى : ﴿ فيها سرر مرفوعة ﴾ قال بعضهم : ﴿ مرفوعة ﴾ بعضها فوق بعض، ترتفع ما شاء الله، فإذا جاء ولي الله تعالى ليجلس عليها تطامنت له. فإذا استوى عليها ارتفعت حيث شاء الله تعالى. وقال بعضهم :معنى المرفوعة ههنا أنها أنشئت مرفوعة القدر عند أهلها، فوعد في الآخرة على ما هي عليه رغبتهم في الدنيا وإيثارهم لها. والمرء يرغب في الوجهين اللذين ذكرناهما في الدنيا. فعلى مثله جرى الوعد في الآخرة، وكذلك يرغب في الأكواب والنمارق المصفوفة والزرابي المبثوثة، فوعد لهم مثلها في الآخرة، وقال في موضع : ﴿ وفرش مرفوعة ﴾ بالواقعة :٣٤ ] ورفعها يكون من الوجهين اللذين ذكرناهما في السرر، فوعدوا بها أيضا في الآخرة لرغبتهم١ فيها في الدنيا.
١ في الأصل وم: لترغيبها..
الآية ١٤ :وقوله تعالى : ﴿ وأكواب موضوعة ﴾ والأكواب، هي الكيزان التي لا عرا لها ؛ فإما أن يكون وصفا لكبر تلك الأكواب في أنفسها، حيث لا عرا لها كالحباب في الدنيا، [ وأما أن ]١ يكون فيه لهم خدما وولدانا يتولون نقلها إلى أين أحبوا، وليست لها عرا، يمدون أيديهم إليها، فيرفعونها.
١ في الأصل وم: أو..
الآيتان ١٥ و١٦ :وقوله تعالى : ﴿ ونمارق مصفوفة ﴾ [ ﴿ وزرابي مبثوثة ﴾ ]١ قيل :هي الوسائد وضعت على البسط، وكذلك تبسط الوسائد في الدنيا، فرغبوا بذلك٢ في الآخرة.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: كذلك..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٥: الآيتان ١٥ و١٦ :وقوله تعالى : ﴿ ونمارق مصفوفة ﴾ [ ﴿ وزرابي مبثوثة ﴾ ]١ قيل :هي الوسائد وضعت على البسط، وكذلك تبسط الوسائد في الدنيا، فرغبوا بذلك٢ في الآخرة.
١ ساقطة من الأصل وم..
٢ في الأصل وم: كذلك..

الآيات ١٧ -٢٠ :وقوله تعالى : ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ [ ﴿ وإلى السماء كيف رفعت ﴾ ﴿ وإلى الجبال كيف نصبت ﴾ ]١ ﴿ وإلى الأرض كيف سطحت ﴾ فخص الإبل بالذكر من بين جملة الدواب، وخص السماء والجبال والأرض بالذكر، وتخصيصها يكون لأحد وجهين :
أحدهما :أن الإبل كانت من أخص دواب أهل مكة ؛ عليها كانوا يسافرون، وعليها كانوا ينقلون ما احتاجوا إليه٢، وهي أيضا، أعني مكة، منشؤهم بين الجبال، فكانت لا تفارقهم الجبال، وكانت السماء من فوقهم، والأرض من تحتهم، فخصت هذه الأشياء بالذكر ليعتبروا بها، ويتدبروا.
[ الثاني : ]٣ أن المنافع المجعولة في الدواب كلها تجتمع في الإبل لأن منافع الدواب أن ينتفع بظهرها وبضرعها وبصوفها وبلحمها ونسلها، فكل ذلك في الإبل، فصارت في الإبل كالأنعام للمنافع المتخذة في الدواب والبركات المعقودة فيها، وكذلك عظم المنافع والبركات المعقودة فيها متصلة بالسماء ؛ ففيها جعلت أرزاقهم، فيها عين الشمس التي بها صالح الأغذية، ونراها مزينة بزينة الكواكب ؛ فهي أيضا كالأمر في المنافع.
وكذلك الأرض كالأم في المنافع ؛ إذ فيها مأوى الخلق، قدر فيها أقوات الخلق وأرزاقهم، ومنها يخرج ما يتخذون منه اللباس.
ثم بالجبال قوام الأرض، ولولاها لكانت الأرض تميد بأهلها. فخصت هذه الأشياء بالذكر لما ذكرنا.
ثم قوله تعالى : ﴿ أفلا ينظرون ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :على الأمر، أي فلينظروا.
والثاني :أن يكون على السؤال تقدم منهم لأمر اشتبه عليهم، فنزلت هذه الآية : ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ إلى آخر الآيات٤، أي لو نظروا في هذه الأشياء لكان نظرهم فيها وتفكرهم بها نزع عنهم الإشكال، ووضح لهم ما اشتبه عليهم.
وذكر عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال :لما ذكر الله تعالى ما ذكر من نعيم الجنة عجبت قريش، وقالوا٥ :يا محمد ائتنا بآية أن ما تقول حق، أنزل الله تعالى : ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ ؟
ثم النظر في رفع السماوات والتفكر في خلقها ﴿ بغير عمد ترونها ﴾ [ الرعد :٢ ] والنظر والاعتبار في خلق الإبل ونصب الجبال وسطح الأرض، وهو البسط، مما يوجب القول بالبعث، ويدعو إلى وحدانية الرب تعالى وإلى القول بإثبات الرسالة.
وذلك أن الذي كان يحمل على إنكار البعث، هو أنهم كانوا يقدرون الأشياء بقوى أنفسهم/٦٣٩ – أ/ فكانوا يظنون أن القوة لا تبلغ هذا ؛ إذ إحياء الموتى خارج عن وسعهم.
فلو نظروا، وتفكروا في خلق السماوات والأرض لعلموا أن قوة الله غير مقدرة بقوى الخلق ؛ وذلك أن السماوات خلقت، ورفعت في الهواء بغير عمد، وأقرت، كذلك لا تنحدر عن موضعها، ولا تصعد. ولو أراد أحد أن يقر في الهواء ريشة حتى لا تسقط، ولا تتصعد، لم يقدر عليه. فيكون في ذلك تنبيه أن قدرته قدرة ذاتية، ليست بمستفادة.
وكذلك الجبال ترونها مع شموخها وارتفاعها وصلابتها زينت بالمياه والأشجار الملتفة من وجه، لو تفكر فيه الخلائق، فاستفرغوا مجهودهم ليعلموا من أي موضع يجتمع الماء، وكيف ينبع، وكيف تنبت الأشجار من بين الأحجار، لم يصلوا إلى معرفته، فيعلموا أن علمه ليس بالذي يحاط به، فيكون في ذكر [ هذه الأنباء ]٦ أنه لا يخفى عليه أمر، ولا يعجزه شيء، بل العالم كله تحت تدبيره، يفعل بهم ما يشاء، ويحكم بما يريد، وأن الذي قدر على خلق هذا قادر على إحيائهم وبعثهم للجزاء، وفي خلق هذه الأشياء ما يدعوهم إلى الوحدانية لأن الله تعالى جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء ؛ فالقطر ينزل من السماء إلى الأرض غير المنهشمة، فينبت لهم من ألوان النبات رزقا لهم ولأنعامهم.
فلو كان مدبر السماء غير مدبر الأرض لكان منع منافع السماء عن خلق مدبر الأرض. فلو تفكروا فيها لكان يزول عنهم الإشكال، فلا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقولون : ﴿ أجعل الإلهة إلاها واحدا إن هذا لشيء عجاب ﴾ ؟ [ ص :٥ ].
وقولنا :إن فيه إثبات الرسالة ؛ وذلك أنهم بما أنعموا من النعم التي ذكرناها لابد أن يستأدي منهم الشكر، ولا يعرف شكر كل شيء على الإشارة إليه، ثم يكون، فلا بد من رسول يطلعهم على ذلك.
فإن قيل :كيف أمروا بالنظر في كيفية خلق هذه الأشياء، وهم لو نظروا [ إلى ]٧ آخر الأبد ليعرفوا كيف خلقت هذه الأشياء لم يهتدوا إلى ذلك الوجه ؟
فجواب أنهم لو أدركوا٨ ذلك الوجه، وفهموه، لكان النظر فيها لا يرفع عنهم الإشكال، إذ يقدرونه بأفعال الخلق التي تهتدي إليها. فارتفاع الإدراك٩ وخروجه عن أوهامهم هو الذي يوضح لهم المشكل، ويزيل عنهم الشبه، إذ به عرفوا أنه حاصل بقدرة من لا تقدر قوته بقدرتهم وأنه خلافهم من جميع الوجوه، والله الموفق.
١ في الأصل وم: إلى قوله..
٢ في الأصل وم: إليها..
٣ في الأصل وم: ويحتمل وجها آخر وهو..
٤ في الأصل وم: الآية..
٥ في الأصل وم: وقال..
٦ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: نبإ..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: تداركوا..
٩ في الأصل وم: التدارك..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٧: الآيات ١٧ -٢٠ :وقوله تعالى : ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ [ ﴿ وإلى السماء كيف رفعت ﴾ ﴿ وإلى الجبال كيف نصبت ﴾ ]١ ﴿ وإلى الأرض كيف سطحت ﴾ فخص الإبل بالذكر من بين جملة الدواب، وخص السماء والجبال والأرض بالذكر، وتخصيصها يكون لأحد وجهين :
أحدهما :أن الإبل كانت من أخص دواب أهل مكة ؛ عليها كانوا يسافرون، وعليها كانوا ينقلون ما احتاجوا إليه٢، وهي أيضا، أعني مكة، منشؤهم بين الجبال، فكانت لا تفارقهم الجبال، وكانت السماء من فوقهم، والأرض من تحتهم، فخصت هذه الأشياء بالذكر ليعتبروا بها، ويتدبروا.
[ الثاني : ]٣ أن المنافع المجعولة في الدواب كلها تجتمع في الإبل لأن منافع الدواب أن ينتفع بظهرها وبضرعها وبصوفها وبلحمها ونسلها، فكل ذلك في الإبل، فصارت في الإبل كالأنعام للمنافع المتخذة في الدواب والبركات المعقودة فيها، وكذلك عظم المنافع والبركات المعقودة فيها متصلة بالسماء ؛ ففيها جعلت أرزاقهم، فيها عين الشمس التي بها صالح الأغذية، ونراها مزينة بزينة الكواكب ؛ فهي أيضا كالأمر في المنافع.
وكذلك الأرض كالأم في المنافع ؛ إذ فيها مأوى الخلق، قدر فيها أقوات الخلق وأرزاقهم، ومنها يخرج ما يتخذون منه اللباس.
ثم بالجبال قوام الأرض، ولولاها لكانت الأرض تميد بأهلها. فخصت هذه الأشياء بالذكر لما ذكرنا.
ثم قوله تعالى : ﴿ أفلا ينظرون ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :على الأمر، أي فلينظروا.
والثاني :أن يكون على السؤال تقدم منهم لأمر اشتبه عليهم، فنزلت هذه الآية : ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ إلى آخر الآيات٤، أي لو نظروا في هذه الأشياء لكان نظرهم فيها وتفكرهم بها نزع عنهم الإشكال، ووضح لهم ما اشتبه عليهم.
وذكر عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال :لما ذكر الله تعالى ما ذكر من نعيم الجنة عجبت قريش، وقالوا٥ :يا محمد ائتنا بآية أن ما تقول حق، أنزل الله تعالى : ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ ؟
ثم النظر في رفع السماوات والتفكر في خلقها ﴿ بغير عمد ترونها ﴾ [ الرعد :٢ ] والنظر والاعتبار في خلق الإبل ونصب الجبال وسطح الأرض، وهو البسط، مما يوجب القول بالبعث، ويدعو إلى وحدانية الرب تعالى وإلى القول بإثبات الرسالة.
وذلك أن الذي كان يحمل على إنكار البعث، هو أنهم كانوا يقدرون الأشياء بقوى أنفسهم/٦٣٩ – أ/ فكانوا يظنون أن القوة لا تبلغ هذا ؛ إذ إحياء الموتى خارج عن وسعهم.
فلو نظروا، وتفكروا في خلق السماوات والأرض لعلموا أن قوة الله غير مقدرة بقوى الخلق ؛ وذلك أن السماوات خلقت، ورفعت في الهواء بغير عمد، وأقرت، كذلك لا تنحدر عن موضعها، ولا تصعد. ولو أراد أحد أن يقر في الهواء ريشة حتى لا تسقط، ولا تتصعد، لم يقدر عليه. فيكون في ذلك تنبيه أن قدرته قدرة ذاتية، ليست بمستفادة.
وكذلك الجبال ترونها مع شموخها وارتفاعها وصلابتها زينت بالمياه والأشجار الملتفة من وجه، لو تفكر فيه الخلائق، فاستفرغوا مجهودهم ليعلموا من أي موضع يجتمع الماء، وكيف ينبع، وكيف تنبت الأشجار من بين الأحجار، لم يصلوا إلى معرفته، فيعلموا أن علمه ليس بالذي يحاط به، فيكون في ذكر [ هذه الأنباء ]٦ أنه لا يخفى عليه أمر، ولا يعجزه شيء، بل العالم كله تحت تدبيره، يفعل بهم ما يشاء، ويحكم بما يريد، وأن الذي قدر على خلق هذا قادر على إحيائهم وبعثهم للجزاء، وفي خلق هذه الأشياء ما يدعوهم إلى الوحدانية لأن الله تعالى جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء ؛ فالقطر ينزل من السماء إلى الأرض غير المنهشمة، فينبت لهم من ألوان النبات رزقا لهم ولأنعامهم.
فلو كان مدبر السماء غير مدبر الأرض لكان منع منافع السماء عن خلق مدبر الأرض. فلو تفكروا فيها لكان يزول عنهم الإشكال، فلا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقولون : ﴿ أجعل الإلهة إلاها واحدا إن هذا لشيء عجاب ﴾ ؟ [ ص :٥ ].
وقولنا :إن فيه إثبات الرسالة ؛ وذلك أنهم بما أنعموا من النعم التي ذكرناها لابد أن يستأدي منهم الشكر، ولا يعرف شكر كل شيء على الإشارة إليه، ثم يكون، فلا بد من رسول يطلعهم على ذلك.
فإن قيل :كيف أمروا بالنظر في كيفية خلق هذه الأشياء، وهم لو نظروا [ إلى ]٧ آخر الأبد ليعرفوا كيف خلقت هذه الأشياء لم يهتدوا إلى ذلك الوجه ؟
فجواب أنهم لو أدركوا٨ ذلك الوجه، وفهموه، لكان النظر فيها لا يرفع عنهم الإشكال، إذ يقدرونه بأفعال الخلق التي تهتدي إليها. فارتفاع الإدراك٩ وخروجه عن أوهامهم هو الذي يوضح لهم المشكل، ويزيل عنهم الشبه، إذ به عرفوا أنه حاصل بقدرة من لا تقدر قوته بقدرتهم وأنه خلافهم من جميع الوجوه، والله الموفق.
١ في الأصل وم: إلى قوله..
٢ في الأصل وم: إليها..
٣ في الأصل وم: ويحتمل وجها آخر وهو..
٤ في الأصل وم: الآية..
٥ في الأصل وم: وقال..
٦ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: نبإ..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: تداركوا..
٩ في الأصل وم: التدارك..

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٧: الآيات ١٧ -٢٠ :وقوله تعالى : ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ [ ﴿ وإلى السماء كيف رفعت ﴾ ﴿ وإلى الجبال كيف نصبت ﴾ ]١ ﴿ وإلى الأرض كيف سطحت ﴾ فخص الإبل بالذكر من بين جملة الدواب، وخص السماء والجبال والأرض بالذكر، وتخصيصها يكون لأحد وجهين :
أحدهما :أن الإبل كانت من أخص دواب أهل مكة ؛ عليها كانوا يسافرون، وعليها كانوا ينقلون ما احتاجوا إليه٢، وهي أيضا، أعني مكة، منشؤهم بين الجبال، فكانت لا تفارقهم الجبال، وكانت السماء من فوقهم، والأرض من تحتهم، فخصت هذه الأشياء بالذكر ليعتبروا بها، ويتدبروا.
[ الثاني : ]٣ أن المنافع المجعولة في الدواب كلها تجتمع في الإبل لأن منافع الدواب أن ينتفع بظهرها وبضرعها وبصوفها وبلحمها ونسلها، فكل ذلك في الإبل، فصارت في الإبل كالأنعام للمنافع المتخذة في الدواب والبركات المعقودة فيها، وكذلك عظم المنافع والبركات المعقودة فيها متصلة بالسماء ؛ ففيها جعلت أرزاقهم، فيها عين الشمس التي بها صالح الأغذية، ونراها مزينة بزينة الكواكب ؛ فهي أيضا كالأمر في المنافع.
وكذلك الأرض كالأم في المنافع ؛ إذ فيها مأوى الخلق، قدر فيها أقوات الخلق وأرزاقهم، ومنها يخرج ما يتخذون منه اللباس.
ثم بالجبال قوام الأرض، ولولاها لكانت الأرض تميد بأهلها. فخصت هذه الأشياء بالذكر لما ذكرنا.
ثم قوله تعالى : ﴿ أفلا ينظرون ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :على الأمر، أي فلينظروا.
والثاني :أن يكون على السؤال تقدم منهم لأمر اشتبه عليهم، فنزلت هذه الآية : ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ إلى آخر الآيات٤، أي لو نظروا في هذه الأشياء لكان نظرهم فيها وتفكرهم بها نزع عنهم الإشكال، ووضح لهم ما اشتبه عليهم.
وذكر عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال :لما ذكر الله تعالى ما ذكر من نعيم الجنة عجبت قريش، وقالوا٥ :يا محمد ائتنا بآية أن ما تقول حق، أنزل الله تعالى : ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ ؟
ثم النظر في رفع السماوات والتفكر في خلقها ﴿ بغير عمد ترونها ﴾ [ الرعد :٢ ] والنظر والاعتبار في خلق الإبل ونصب الجبال وسطح الأرض، وهو البسط، مما يوجب القول بالبعث، ويدعو إلى وحدانية الرب تعالى وإلى القول بإثبات الرسالة.
وذلك أن الذي كان يحمل على إنكار البعث، هو أنهم كانوا يقدرون الأشياء بقوى أنفسهم/٦٣٩ – أ/ فكانوا يظنون أن القوة لا تبلغ هذا ؛ إذ إحياء الموتى خارج عن وسعهم.
فلو نظروا، وتفكروا في خلق السماوات والأرض لعلموا أن قوة الله غير مقدرة بقوى الخلق ؛ وذلك أن السماوات خلقت، ورفعت في الهواء بغير عمد، وأقرت، كذلك لا تنحدر عن موضعها، ولا تصعد. ولو أراد أحد أن يقر في الهواء ريشة حتى لا تسقط، ولا تتصعد، لم يقدر عليه. فيكون في ذلك تنبيه أن قدرته قدرة ذاتية، ليست بمستفادة.
وكذلك الجبال ترونها مع شموخها وارتفاعها وصلابتها زينت بالمياه والأشجار الملتفة من وجه، لو تفكر فيه الخلائق، فاستفرغوا مجهودهم ليعلموا من أي موضع يجتمع الماء، وكيف ينبع، وكيف تنبت الأشجار من بين الأحجار، لم يصلوا إلى معرفته، فيعلموا أن علمه ليس بالذي يحاط به، فيكون في ذكر [ هذه الأنباء ]٦ أنه لا يخفى عليه أمر، ولا يعجزه شيء، بل العالم كله تحت تدبيره، يفعل بهم ما يشاء، ويحكم بما يريد، وأن الذي قدر على خلق هذا قادر على إحيائهم وبعثهم للجزاء، وفي خلق هذه الأشياء ما يدعوهم إلى الوحدانية لأن الله تعالى جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء ؛ فالقطر ينزل من السماء إلى الأرض غير المنهشمة، فينبت لهم من ألوان النبات رزقا لهم ولأنعامهم.
فلو كان مدبر السماء غير مدبر الأرض لكان منع منافع السماء عن خلق مدبر الأرض. فلو تفكروا فيها لكان يزول عنهم الإشكال، فلا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقولون : ﴿ أجعل الإلهة إلاها واحدا إن هذا لشيء عجاب ﴾ ؟ [ ص :٥ ].
وقولنا :إن فيه إثبات الرسالة ؛ وذلك أنهم بما أنعموا من النعم التي ذكرناها لابد أن يستأدي منهم الشكر، ولا يعرف شكر كل شيء على الإشارة إليه، ثم يكون، فلا بد من رسول يطلعهم على ذلك.
فإن قيل :كيف أمروا بالنظر في كيفية خلق هذه الأشياء، وهم لو نظروا [ إلى ]٧ آخر الأبد ليعرفوا كيف خلقت هذه الأشياء لم يهتدوا إلى ذلك الوجه ؟
فجواب أنهم لو أدركوا٨ ذلك الوجه، وفهموه، لكان النظر فيها لا يرفع عنهم الإشكال، إذ يقدرونه بأفعال الخلق التي تهتدي إليها. فارتفاع الإدراك٩ وخروجه عن أوهامهم هو الذي يوضح لهم المشكل، ويزيل عنهم الشبه، إذ به عرفوا أنه حاصل بقدرة من لا تقدر قوته بقدرتهم وأنه خلافهم من جميع الوجوه، والله الموفق.
١ في الأصل وم: إلى قوله..
٢ في الأصل وم: إليها..
٣ في الأصل وم: ويحتمل وجها آخر وهو..
٤ في الأصل وم: الآية..
٥ في الأصل وم: وقال..
٦ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: نبإ..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: تداركوا..
٩ في الأصل وم: التدارك..

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٧: الآيات ١٧ -٢٠ :وقوله تعالى : ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ [ ﴿ وإلى السماء كيف رفعت ﴾ ﴿ وإلى الجبال كيف نصبت ﴾ ]١ ﴿ وإلى الأرض كيف سطحت ﴾ فخص الإبل بالذكر من بين جملة الدواب، وخص السماء والجبال والأرض بالذكر، وتخصيصها يكون لأحد وجهين :
أحدهما :أن الإبل كانت من أخص دواب أهل مكة ؛ عليها كانوا يسافرون، وعليها كانوا ينقلون ما احتاجوا إليه٢، وهي أيضا، أعني مكة، منشؤهم بين الجبال، فكانت لا تفارقهم الجبال، وكانت السماء من فوقهم، والأرض من تحتهم، فخصت هذه الأشياء بالذكر ليعتبروا بها، ويتدبروا.
[ الثاني : ]٣ أن المنافع المجعولة في الدواب كلها تجتمع في الإبل لأن منافع الدواب أن ينتفع بظهرها وبضرعها وبصوفها وبلحمها ونسلها، فكل ذلك في الإبل، فصارت في الإبل كالأنعام للمنافع المتخذة في الدواب والبركات المعقودة فيها، وكذلك عظم المنافع والبركات المعقودة فيها متصلة بالسماء ؛ ففيها جعلت أرزاقهم، فيها عين الشمس التي بها صالح الأغذية، ونراها مزينة بزينة الكواكب ؛ فهي أيضا كالأمر في المنافع.
وكذلك الأرض كالأم في المنافع ؛ إذ فيها مأوى الخلق، قدر فيها أقوات الخلق وأرزاقهم، ومنها يخرج ما يتخذون منه اللباس.
ثم بالجبال قوام الأرض، ولولاها لكانت الأرض تميد بأهلها. فخصت هذه الأشياء بالذكر لما ذكرنا.
ثم قوله تعالى : ﴿ أفلا ينظرون ﴾ يحتمل وجهين :
أحدهما :على الأمر، أي فلينظروا.
والثاني :أن يكون على السؤال تقدم منهم لأمر اشتبه عليهم، فنزلت هذه الآية : ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ إلى آخر الآيات٤، أي لو نظروا في هذه الأشياء لكان نظرهم فيها وتفكرهم بها نزع عنهم الإشكال، ووضح لهم ما اشتبه عليهم.
وذكر عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال :لما ذكر الله تعالى ما ذكر من نعيم الجنة عجبت قريش، وقالوا٥ :يا محمد ائتنا بآية أن ما تقول حق، أنزل الله تعالى : ﴿ أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت ﴾ ؟
ثم النظر في رفع السماوات والتفكر في خلقها ﴿ بغير عمد ترونها ﴾ [ الرعد :٢ ] والنظر والاعتبار في خلق الإبل ونصب الجبال وسطح الأرض، وهو البسط، مما يوجب القول بالبعث، ويدعو إلى وحدانية الرب تعالى وإلى القول بإثبات الرسالة.
وذلك أن الذي كان يحمل على إنكار البعث، هو أنهم كانوا يقدرون الأشياء بقوى أنفسهم/٦٣٩ – أ/ فكانوا يظنون أن القوة لا تبلغ هذا ؛ إذ إحياء الموتى خارج عن وسعهم.
فلو نظروا، وتفكروا في خلق السماوات والأرض لعلموا أن قوة الله غير مقدرة بقوى الخلق ؛ وذلك أن السماوات خلقت، ورفعت في الهواء بغير عمد، وأقرت، كذلك لا تنحدر عن موضعها، ولا تصعد. ولو أراد أحد أن يقر في الهواء ريشة حتى لا تسقط، ولا تتصعد، لم يقدر عليه. فيكون في ذلك تنبيه أن قدرته قدرة ذاتية، ليست بمستفادة.
وكذلك الجبال ترونها مع شموخها وارتفاعها وصلابتها زينت بالمياه والأشجار الملتفة من وجه، لو تفكر فيه الخلائق، فاستفرغوا مجهودهم ليعلموا من أي موضع يجتمع الماء، وكيف ينبع، وكيف تنبت الأشجار من بين الأحجار، لم يصلوا إلى معرفته، فيعلموا أن علمه ليس بالذي يحاط به، فيكون في ذكر [ هذه الأنباء ]٦ أنه لا يخفى عليه أمر، ولا يعجزه شيء، بل العالم كله تحت تدبيره، يفعل بهم ما يشاء، ويحكم بما يريد، وأن الذي قدر على خلق هذا قادر على إحيائهم وبعثهم للجزاء، وفي خلق هذه الأشياء ما يدعوهم إلى الوحدانية لأن الله تعالى جعل منافع الأرض متصلة بمنافع السماء ؛ فالقطر ينزل من السماء إلى الأرض غير المنهشمة، فينبت لهم من ألوان النبات رزقا لهم ولأنعامهم.
فلو كان مدبر السماء غير مدبر الأرض لكان منع منافع السماء عن خلق مدبر الأرض. فلو تفكروا فيها لكان يزول عنهم الإشكال، فلا يدعون مع الله إلها آخر، ولا يقولون : ﴿ أجعل الإلهة إلاها واحدا إن هذا لشيء عجاب ﴾ ؟ [ ص :٥ ].
وقولنا :إن فيه إثبات الرسالة ؛ وذلك أنهم بما أنعموا من النعم التي ذكرناها لابد أن يستأدي منهم الشكر، ولا يعرف شكر كل شيء على الإشارة إليه، ثم يكون، فلا بد من رسول يطلعهم على ذلك.
فإن قيل :كيف أمروا بالنظر في كيفية خلق هذه الأشياء، وهم لو نظروا [ إلى ]٧ آخر الأبد ليعرفوا كيف خلقت هذه الأشياء لم يهتدوا إلى ذلك الوجه ؟
فجواب أنهم لو أدركوا٨ ذلك الوجه، وفهموه، لكان النظر فيها لا يرفع عنهم الإشكال، إذ يقدرونه بأفعال الخلق التي تهتدي إليها. فارتفاع الإدراك٩ وخروجه عن أوهامهم هو الذي يوضح لهم المشكل، ويزيل عنهم الشبه، إذ به عرفوا أنه حاصل بقدرة من لا تقدر قوته بقدرتهم وأنه خلافهم من جميع الوجوه، والله الموفق.
١ في الأصل وم: إلى قوله..
٢ في الأصل وم: إليها..
٣ في الأصل وم: ويحتمل وجها آخر وهو..
٤ في الأصل وم: الآية..
٥ في الأصل وم: وقال..
٦ من نسخة الحرم المكي، في الأصل وم: نبإ..
٧ ساقطة من الأصل وم..
٨ في الأصل وم: تداركوا..
٩ في الأصل وم: التدارك..

الآيتان ٢١ و٢٢ :وقوله تعالى : ﴿ فذكر إنما أنت مذكر ﴾ ﴿ ليست عليهم بمصيطر ﴾ ففي [ هاتين الآيتين ]١ والله أعلم، أمر من الله تعالى لرسوله عليه السلام ألا يجازيهم بصنيعهم إذا استقبلوه بما يكره من أذى يوجد منهم واستخفاف يجيء منهم، فيقول :ذكر بالله تعالى، وذكرهم عظم نعمه، وذكّرهم كيف هلك مكذبو الرسل ؟ وكيف نجا من صدقهم ؛ وعظم أمرهم ؟ ولا تجازهم بصنيعهم، وكّل ذلك إلى الله تعالى.
وقوله تعالى : ﴿ لست عليهم بمصيطر ﴾ قال بعضهم :بمسلط، قال بعضهم :بجبار.
فإن أريد به الوجه الأول فهو مما يحتمل، ويجوز أن يسلط عليهم في أن يؤذن [ له ]٢ بقتالهم وأسرهم وقهرهم ببذل الجزية. ولهذا قيل :إن هذا كان قبل سورة ﴿ براءة ﴾.
وإن كان تأويله لست بجبار عليهم على ما روي عن مجاهد فهذا الوجه مما يرد عليه النسخ، فلا يجوز أن يصير جبارا عليهم، ولا يكون قوله : ﴿ إلا من تولى وكفر ﴾ [ الآية :٢٣ ] استثناء، ويكون معناه لكن من تولى، وكفر ﴿ فيعذبه الله العذاب الأكبر ﴾ أي من أعرض عن طاعة الله تعالى، وكفر بوحدانية الله تعالى وبكتبه ورسله ﴿ فيعذبه الله العذاب الأكبر ﴾.
١ في الأصل وم: هذه الآية..
٢ ساقطة من الأصل وم..
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢) قَالَ بَعْضُهُمْ: بمسلط.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: لست بجبار.
فإن أريد به الوجه الأول فهو مما يحتمله، ويجوز أن يسلط عليهم في أن يؤذن بقتالهم، وأسرهم وقهرهم ببذل الجزية؛ ولهذا قيل: إن هذا كان قبل نزول سورة براءة.
وإن كان تأويله: لست بجبار عليهم؛ على ما روي عن مجاهد؛ فهذا الوجه مما لا يرد عليه النسخ، ولا يجوز أن يصير جبارا عليهم، ولا يكون قوله: (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ (٢٣) استثناء، ويكون معناه: لكن من تولى وكفر فيعذبه اللَّه العذاب الأكبر، أي: من أعرض عن طاعة اللَّه تعالى وكفر بوحدانية اللَّه تعالى وبكتبه ورسله، فيعذبه اللَّه العذاب الأكبر.
وعلى التأويل الذي قيل: إن المسيطر هو المسلط بالسيف والأسر والقهر بالجزية التي هي صغار عليهم - يكون قوله تعالى: (تَوَلَّى وَكَفَرَ) على الاستثناء، أي: من أعرض عن طاعة اللَّه تعالى، وكفر بوحدانيه اللَّه فسيسلط عليهم بالسيف، والأسر، وأخذ الجزية.
وقيل: (إِلَّا مَنْ تَوَلَّى وَكَفَرَ)، أي: أعرض، ولزم الإعراض؛ فيكون مسيطرا عليهم.
أو تولى وقت التذكير فسينتصر عليه، وباللَّه النجاة.
وفي هذه الآية بشارة لرسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - بالظفر على الذين تولوا عن طاعة اللَّه تعالى وكفروا به.
وفيه آية رسالته؛ لأنه قال هذا في وقت ضعفه، وقلة أنصاره، وكان الأمر كما قال؛ إذ نصره اللَّه - تعالى - بالرعب مسيرة شهرين، وفتحت له الفتوح؛ ليعلم أنه باللَّه - تعالى - علم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ (٢٥) أي: مرجعهم.
وقوله: (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ (٢٦) أي: من الحكمة أن نحاسبهم، وإذا كانت الحكمة توجب حسابهم وتعذيبهم، كان عليه أن يحاسبهم لما في تركه ترك الحكمة، وفي تركها سفه، تعالى اللَّه عن ذلك، وباللَّه النجاة، ومنه التوفيق.
* * *
الآيتان ٢٣ و٢٤ : [ وقوله تعالى : ﴿ إلا من تولى وكفر ﴾ ﴿ فيعذبه الله العذاب الأكبر ﴾ ]١ على التأويل الذي قيل :المسيطر، هو المسلط بالسيف والأسر والقهر بالجزية التي هي صغار عليهم يكون قوله : ﴿ إلا من تولى وكفر ﴾ على الاستثناء، أي من أعرض عن طاعة الله، فسيسلط عليهم بالسيف والأسر وأخذ الجزية. [ وعلى ما ]٢ قيل : ﴿ إلا من تولى وكفر ﴾ أي أعرض، ولزم الإعراض، فيكون مسيطرا عليهم، أو تولى وقت التذكير، فسيسيطر عليهم، وبالله النجاة.
وفي هذه الآيات٣ بشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالظفر على الذين تولوا عن طاعة الله تعالى، وكفروا به.
وفيها٤ آية رسالته لأنه قال هذا في وقت ضعفه وقلة أنصاره. وكان الأمر كما قال [ عليه السلام :( ( نصرت )٥ بالرعب مسيرة شهرين ) ] [ الطبراني في الكبير ١١٠٥٦ ] وفتحت له الفتوح ليعلم أنه بالله تعالى علم.
١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: و..
٣ في الأصل وم: الآية..
٤ في الأصل وم: وفيه..
٥ في الأصل وم: أن نصره الله تعالى..
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٢٣: الآيتان ٢٣ و٢٤ : [ وقوله تعالى : ﴿ إلا من تولى وكفر ﴾ ﴿ فيعذبه الله العذاب الأكبر ﴾ ]١ على التأويل الذي قيل :المسيطر، هو المسلط بالسيف والأسر والقهر بالجزية التي هي صغار عليهم يكون قوله : ﴿ إلا من تولى وكفر ﴾ على الاستثناء، أي من أعرض عن طاعة الله، فسيسلط عليهم بالسيف والأسر وأخذ الجزية. [ وعلى ما ]٢ قيل : ﴿ إلا من تولى وكفر ﴾ أي أعرض، ولزم الإعراض، فيكون مسيطرا عليهم، أو تولى وقت التذكير، فسيسيطر عليهم، وبالله النجاة.
وفي هذه الآيات٣ بشارة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالظفر على الذين تولوا عن طاعة الله تعالى، وكفروا به.
وفيها٤ آية رسالته لأنه قال هذا في وقت ضعفه وقلة أنصاره. وكان الأمر كما قال [ عليه السلام :( ( نصرت )٥ بالرعب مسيرة شهرين ) ] [ الطبراني في الكبير ١١٠٥٦ ] وفتحت له الفتوح ليعلم أنه بالله تعالى علم.
١ في الأصل وم: و..
٢ في الأصل وم: و..
٣ في الأصل وم: الآية..
٤ في الأصل وم: وفيه..
٥ في الأصل وم: أن نصره الله تعالى..

الآية ٢٥ :وقوله تعالى : ﴿ إن إلينا إيابهم ﴾ أي مرجعهم.
الآية ٢٦ :وقوله تعالى : ﴿ ثم إن علينا حسابهم ﴾ أي من الحكمة أن نحاسبهم. وإذا كانت الحكمة توجب حسابهم وتعذيبهم، كان عليه أن يحاسبهم [ وفي ما تركه ]١ ترك الحكمة، وفي تركه سفه، تعالى الله عن ذلك، وبالله النجاة، ومنه التوفيق [ والصلاة والسلام على رسوله محمد وآله الطاهرين ]٢.
١ الواو ساقطة من الأصل، في م: في تركه لما في تركه..
٢ ساقطة من م..
السورة التالية
Icon