المُرجئة : اختلف الناس في تأويل هذا اللقب ؛ لأنه في الأصل مذموم، فكل فريق يتنصل منه، ويلزمه غيره، ويتأول فيه تأويلات ينهى بها عنه، قال قوم : هو لقب يلزم كل مَن يقول : الإيمان قول بلا عمل، ويزعمون أن من شهد الشهادتين فهو مؤمن حقا وإن ارتكب /الكبائر، وترك الصلاة والصيام وسائر الفرائض، ٦٩ أ، فقدموا القول، وأخروا العمل، فلذلك استحقوا هذا اللقب، والإرجاء التأخير، من قوله تعالى :[أَرْجِهْ وَأَخَاهُ] (١)، وقال أهل هذا المذهب الذي ذكرناه : المرجئ هو الذي يزعم أن الإيمان قول وعمل، فلا يبقون الشهادة على من شهد الشهادتين أنه مؤمن حقا، ويشكون في أمره، ويقولون : نرجو أن يكون مؤمنا، فاستوجبوا هذا اللقب من أجل قولهم : نرجو أن يكون مؤمنا، وهذا الكلام جهل باللغة، وبتصريف كلام العرب، لأن المُرجئ هو من أرجأ يُرجِئ فهو مُرجِئ، وهو من باب أفعل، ونرجو من رجا يرجو فهو راج، وهو من باي فَعَل، وقال قوم من أهل الكلام : إن المرجئة هم الذين تركوا القطع على أهل الكبائر إذا ماتوا غير تائبين بعذاب أو مغفرة، وأرجأوا أمرهم إلى الله، وقالوا : إن الله إن غفر لواحد، غفر لكل مَن هو على مثل حاله، وأنه لا يُدخل النارَ أحداً بارتكاب الكبائر، ويغفر ما دون الكفر، وهو رأي أبي حنيفة، وأبي يوسف (٢)، ومحمد (٣)،
(٢) القاضي أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبيب الأنصاري، من أهل الكوفة، وهو صاحب أبي حنيفة، كان الغالب عليه مذهب أبي حنيفة، وخالفه في مواضع كثيرة، وكان سكن بغداد، وتولّى القضاء بها لثلاثة من الخلفاء : المهدي، والهادي، وهارون الرشيد، وكان الرشيد يكرمه ويجله ٠ كانت ولادته سنة ثلاث عشرة ومائة، وتوفي سنة اثنتين وثمانين ومائة ببغداد ٠ وفيات الأعيان ٦/٣٧٨ ـ ٣٩٠
(٣) محمد بن الحسن الحنفي، أبو عبد الله محمد بن فرقد، الشيباني بالولاء الفقيه الحنفي، نشأ بالكوفة، وطلب الحديث، ولقي جماعة من أعلام الأئمة، وحضر مجلس أبي حنيفة سنتين، ثم تفقه على أبي يوسف صاحب أبي حنيفة. وصنف الكتب الكثيرة النادرة، منها الجامع الكبير والجمع الصغير وغيرهما. وله في مصنفاته المسائل المشكلة خصوصا المتعلقة بالعربية. ونشر علم أبي حنيفة، وكان من أفصح الناس ولم يزل محمد بن الحسن ملازما للرشيد حتى خرج إلى الري، فخرج معه، ومات برنبويه قرية من قرى الري في سنة تسع وثمانين ومائة. ومولده سنة خمس وثلاثين، وقيل إحدى وثلاثين، وقيل اثنتين وثلاثين ومائة. وقال السمعاني: مات محمد بن الحسن والكسائي في يوم واحد بالري، رحمها الله تعالى، وقيل إن الرشيد كان يقول: دفنت الفقه والعربية بالري. وفيات الأعيان ٤/١٨٤ـ١٨٥