صيام قيام، وكل قائم صائم، وهو الرافع رأسه، لا يرعى، ولا يعتلف، ويقال : صام أيام البيض، فالأيام مضافة إلى البيض، والبيض نعت الاسم المضمر، ليس هو نعت للأيام، ولو كان كذلك لسقطت الألف واللام من البيض، فكان يقال : أيامٌ بيض، وإنما معناه أيام الليالي البيض، وهي ليلة ثلاثة عشر، وأربعة عشر، وخمسة عشر، وسميت بيضا لأنها مقمرة من أول الليل إلى آخره، ويقال لها : الغُرّ، كما يقال لها البيض، قال أعرابي للنبي عليه السلام :( إني أصوم ثلاثة أيام من كل شهر، قال : إن كنت صائما فصم الغُرّ ) (١)، قال ابن قتيبة : الغر البيض، جمع غراء، وقيل لها غرّ لبياضها بطلوع القمر، وإنما أمر / بصيام١٠٤ب البيض لأن الكسوف إنما يكون في ليلة أربع عشرة، وليلة خمس عشرة، وروي عن النبي عليه السلام أنه قال لعلي عليه السلام :(هل صُمْت من سِرَار هذا الشَّهْر) (٢)، وهي ثلاثة أيام في آخر الشهر، وسميت بالسِّرار لأن الهلال يستسر فيها، والمحاق محاق الهلال ٠
الاعتكاف : هو أن يحبس الرجل نفسه في المسجد، ويصوم في مدة احتباسه فيه، وهكذا هي في سنة رسول الله عليه السلام، وهو مأخوذ من الإقامة، وقال أبو عبيدة (٣) في قوله تعالى :[ يَعْكُفُونَ ] (٤) أي يقيمون، وفي قوله :[ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا ] (٥) أي مقيما، والعرب تقول : عكف على الشيء إذا أقام عليه ولزمه منعطفا حَدِبا، ولم يشتغل بشيء سواه، كأنه يعبده، قال الله تعالى :[ وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا ] (٦) يعني مقيما عليه، طائعا له، قال الطرماح :" من الطويل "
(٢) النهاية في غريب الحديث ( سرر )، وفيه : هل صُمْت من سِرَار هذا الشَّهْر شيئاً، الفائق ١/٢٠٨، غريب الحديث ـ لأبي عبيد ٢/٧٩ / المكتبة الشاملة
(٣) مجاز القرآن ١/٢٢٧
(٤) الأعراف ١٣٨
(٥) الفتح ٢٥
(٦) طه ٩٧