وعلى كلّ حال فإن شدّة ارتباط الألفاظ بالمعاني والعكس مما يصعب معه القول بانفكاك أحدهما عن الآخر حُسْناً وقبحاً، بل الأمر كما قرّره الزركشي – في تحرير دقيق في هذه القضيّة – حيث يقول :" ولا فرق بين ما يرجع الحسن إلى اللفظ أو المعنى، وشذّ بعضهم فزعم أن موضع صناعة البلاغة فيه إنما هو المعاني، فلم يعدّ الأساليب البليغة والمحاسن اللفظية. والصحيح أن الموضوع مجموع المعاني والألفاظ ؛ إذ اللفظ مادة الكلام الذي منه يتألف، ومتى أخرجت الألفاظ عن أن تكون موضوعاً خرجت عن جملة الأقسام المعتبرة ؛ إذ لا يمكن أن توجد إلا بها " (١).
( ح ) ربما يلْحظ المُطالع لهذا المبحث، والمباحث التالية له - وهي المباحث التي ذكرت فيها قواعد توجيه المتشابه – أنّي قد استكثرت من تلك القواعد، وتوسّعت في تعدادها أكثر مما ينبغي، لكن لعلَّ عذري في ذلك يشبه عذر من قال عنهم صاحب (( التحرير والتنوير )) (٢) :" وأنا عاذر المتقدّمين الذين ألّفوا في أسباب النزول فاستكثروا منها؛ بأن كلَّ من يتصدّى لتأليف كتاب في موضوع غير مُشْبعٍ تتملّكه محبّة التوسّع فيه ؛ فلا ينفكّ يستزيد من مُلْتقطاته ؛ لِيُذْكيَ قَبَسَه، ويمدَّ نَفَسَه ؛ فيرضى بما يجدُ رضا الصّبِّ بالوعد، ويقول : زدني من حديثك يا سعد، غير هيّابٍ لعاذل، ولا متطلّبٍ معذرة عاذر، وكذلك شأن الوَلَع إذا امتلك القلب ".
‍‍وبعد : فإنه بعد النظر فيما اجتمع لديّ من قواعد عامّة ؛ اجتهدت في تصنيفها خمسة أصناف – جعلتها في مطالب – هي كالتالي :
المطلب الأول : القواعد التي يغلب عليها مراعاة الجانب اللفظي.
المطلب الثاني : القواعد التي يغلب عليها مراعاة الجانب المعنوي.
المطلب الثالث : القواعد التي يغلب عليها مراعاة السياق والقرائن التي تحفّ به.

(١)... البرهان في علوم القرآن : ٢/ ٤٨٣- ٤٨٤، وانظر أيضاً : خصائص التراكيب : ص ٣٥٨- ٣٦٣.
(٢)... ١/ ٤٦.


الصفحة التالية
Icon