وما هنا التفات بديع فإن الحامد لما حمد الله تعالى ووصفه بعظيم الصفات بلغت به الفكرة منتهاها فتخيل نفسه في حضرة الربوبية فخاطب ربه بالإقبال، كعكس هذا الالتفات في قوله محمد بن بشير الخارجي نسبة إلى بني خارجة قبيلة : ذممت ولم تحمد وأدركت حاجة تولى سواكم أجرها واصطناعها أبى لك كسب الحمد رأي مقصر ونفس أضاق الله بالخير باعها إذا هي حثته على الخير مرة عصاها وإن همت بشر أطاعها فخاطبه ابتداء ثم ذكر قصور رأيه وعدم انطباع نفسه على الخير فالتفت من خطابه إلى التعبير عنه بضمير الغيبة فقال إذا هي حثته فكأنه تخيله قد تضاءل حتى غاب عنه. وبعكس ذلك قوله تعالى )والذين كفروا بآيات الله ولقائه أولئك يئسوا من رحمتي( لاعتبار تشنيع كفر المتحدث عنهم بأنهم كفروا بآيات صاحب ذلك الاسم الجليل، وبعد تقرر ذلك انتقل إلى أسلوب ضمير المتكلم إذ هو الأصل في التعبير عن الأشياء المضافة إلى ذات المتكلم. ومما يزيد الالتفات وقعا في الآية أنه تخلص من الثناء إلى الدعاء ولا شك أن الدعاء يقتضي الخطاب فكان قوله )إياك نعبد( تخلصا يجيء بعده )اهدنا الصراط( ونظيره في ذلك قول النابغة في رثاء النعمان الغساني: أبى غفلتي أني إذا ما ذكرته تحرك داء في فؤادي داخل وأن تلادى إن نظرت وشكتي ومهري وما ضمت إلي الأنامل حباؤك والعيس العتاق كأنها هجان المهى تزجي عليها الرحائل وأبو الفتح ابن جني يسمى الالتفات شجاعة العربية كأنه عنى أنه دليل على حدة ذهن البليغ وتمكنه من تصريف أساليب كلامه كيف شاء كما يتصرف الشجاع في مجال الوغى بالكر والفر.