صفحة : ١٠٨
فكأن الحامد لما انتقل من الحمد إلى المناجاة لم يغادر فرصة يقتنص منها الثناء إلا انتهزها.
ووجه تقديم قوله )إياك نعبد( على قوله )وإياك نستعين( أن العبادة تقرب للخالق تعالى فهي أجدر بالتقديم في المناجاة. وأما الاستعانة فهي لنفع المخلوق للتيسير عليه فناسب أن يقدم المناجى ما هو من عزمه وصنعه على ما يسأله مما يعين على ذلك، ولأن الاستعانة بالله تتركب على كونه معبودا للمستعين به ولأن من جملة ما تطلب الإعانة عليه العبادة فكانت متقدمة على الاستعانة في التعقل. وقد حصل من ذلك التقديم أيضا إيفاء حق فواصل السورة المبنية على الحرف الساكن المتماثل أو القريب في مخرج اللسان، وأعيد لفظ )إياك( في الاستعانة دون أن يعطف فعل )نستعين( على )نعبد( مع أنهما مقصودان جميعا كما أنبأ عنه عطف الجملة على الجملة لأن بين الحصرين فرقا، فالحصر في )إياك نعبد( حقيقي والقصر في )إياك نستعين( ادعائي فإن المسلم قد يستعين غير الله تعالى كيف وقد قال تعالى )وتعاونوا على البر والتقوى( ولكنه لا يستعين في عظائم الأمور إلا بالله ولا يعد الاستعانة حقيقة إلا الاستعانة بالله تعالى.


الصفحة التالية
Icon