وإذا نظرنا إلى هذا القول تبين ضعفه من حيث دلالة الآية عليه، وقد كفانا إمامنا ابن القيم مؤونة ذكر وجوه ضعفه بما ذكر في كلامه السابق، فقد ذكر أربعة وجوه تأبا هذا القول، وهي :
الوجه الأول : أن سياق الآية لا يدل على هذا القول، بل يدل على ما ذكره السلف في تفسير الآية، فالآية التي قبلها - وهي قوله تعالى :﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ (البقرة: ١٦) - تدل على ( أن المنافقين عدلوا عن الهدى إلى الضلال، واعتاضوا عن الهدى بالضلالة، وهو معنى قوله تعالى :﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى ﴾ أي : بذلوا الهدى ثمناً للضلالة ؛ وسواء في ذلك من كان منهم قد حصل له الإيمان ثم رجع عنه إلى الكفر كما قال تعالى فيهم :﴿ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ﴾ (المنافقون: من الآية٣)، أو أنهم استحبوا الضلالة على الهدى كما يكون حال فريق آخر منهم ؛ فإنهم أنواع وأقسام، ولهذا قال تعالى :﴿ فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ ﴾ أي : ما ربحت صفقتهم في هذه البيعة وما كانوا مهتدين، أي : راشدين في صنيعهم ذلك. ) (١)
ثم جاءت هذه الآية، وهي ( مثلٌ ضربه الله لمن آتاه ضرباً من الهدى فأضاعه، ولم يتوصل به إلى نعيم الأبد، فبقي متحيراً متحسراً، تقريراً وتوضيحاً لما تضمنته الآية الأولى ).(٢)
وعليه ؛ فلا مدخل لما يفعله المنافقون من إيقاد نار الفتنة والحرب في هذا السياق.
والوجه الثاني : أن قوله تعالى :﴿ فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ﴾ يأبا هذا المعنى، ولا يدل عليه ؛ لأن نار الحرب لا تضيء ما حولها أبداً.

(١) تفسير القرآن العظيم لابن كثير ١/٢٠١-٢٠٢.
(٢) أنوار التنزيل للبيضاوي ١/٥٠.


الصفحة التالية
Icon