الوجه الثالث: أن يقال: الآية اقتضت وجوب الوضوء إذا قام المؤمن إلى الصلاة، فدلّ على أن القيام هو السبب الموجب للوضوء. وأنّه إذا قام إلى الصلاة صار واجباً حينئذ وجوباً مضيّقاً، فإذا كان العبد قد توضّأ قبل ذلك، فقد أدّى هذا الواجب قبل تضيّقه، كما قال: ﴿.. إذا نودي للصلوة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله..﴾[الجمعة: ٩]، فدلّ على أنّ النداء يوجب السعي إلى الجمعة، وحينئذ يتضيّق وقته، فلا يجوز أن يُشتغل عنه ببيع ولا غيره. فإذا سعى إليها قبل النداء، فقد سابق إلى الخيرات، وسعى قبل تضيّق الوقت، فهل يقول عاقل: إنّ عليه أن يرجع إلى بيته ليسعى عند النداء؟، وكذلك الوضوء: إذا كان المسلم قد توضأ للظهر قبل الزوال، أو للمغرب قبل غروب الشمس، أو للفجر قبل طلوعه، وهو إنّما يقوم إلى الصلاة بعد الوقت، فمن قال: إنّ عليه أن يعيد الوضوء، فهو بمنزلة من يقول: إنّ عليه أن يعيد السعي إذا أتى الجمعة قبل النداء.."
إلى أن قال ـ رحمه الله ـ: " فالآية محكمة ـ ولله الحمد ـ، وهي على ما دلّت عليه من أنّ كلّ قائم إلى الصلاة، فهو مأمور بالوضوء، فإن كان قد توضّأ قبل ذلك فقد أحسن، وفعل الواجب قبل تضيّقه، وسارع إلى الخيرات، كمن سعى إلى الجمعة قبل النداء.."(١)

(١) ينظر: مجموع الفتاوى: ٢١/٣٧٤ ـ٣٧٧.


الصفحة التالية
Icon