ثمّ بيّن الشيخ خطأ من ظنّ أنّ الباء للتبعيض، أو دالّة على القدر المشترك. وأثبت أنّ الباء للإلصاق، وهي "لا تدخل إلا لفائدة، فإذا دخلت على فعل يتعدّى بنفسه: أفادت قدراً زائداً، كما في قوله تعالى: ﴿ عيناً يشرب بها عباد الله.. ﴾[الإنسان: ٦]، فإنّ الفعل (يشرب) لو عدّي بـ ( من )، لم يدلّ على الريّ.. وكذلك المسح في الوضوء والتيمّم، لو قال: فامسحوا رؤوسكم، أو وجوهكم، لم تدلّ على ما يلتصق بالمسح. فإنّك تقول: مسحت رأس فلان. وإن لم يكن بيدك بلل. فإذا قيل: فامسحوا برؤوسكم، وبوجوهكم، ضمّن معنى الإلصاق، فأفاد أنّكم تلصقون برؤوسكم، وبوجوهكم، شيئاً بهذا المسح.."(١).
أمّا حديث المغيرة ـ رضي الله عنه ـ، فأجاب عنه الشيخ: بأنّه دليل على جواز المسح على العمامة، للأحاديث الصحيحة الثابتة في ذلك. فإذا شقّ على المتوضّىء نزع عمامتة، مسح على ناصيته، وتمّم على العمامة للعذر، وأجزأه ذلك بلا نزاع..(٢).
ويفهم من كلام الشيخ: أنّ مكشوف الرأس، ومن لا يشقّ عليه نزع عمامتة، يجب عليه تعميم الرأس بالمسح.
الدراسة، والترجيح:
وافق الشيخ بالقول بوجوب تعميم الرأس بالمسح: القرطبيّ ـ رحمه الله ـ(٣).
ورجّح الجصّاص ـ رحمه الله ـ أنّ المفروض: مسح ربع الرأس، أو مقدار ثلاثة أصابع، مع مسنونية مسح الجميع(٤).
وتوسّط الطبريّ ـ رحمه الله ـ، فرجّح أنّ المفروض هو مطلق المسح، فيصدق على أدنى ما يطلق عليه اسم المسح. قال: " فما مسح به المتوضّىء من رأسه، فاستحقّ ذلك أن يقال: ( مسح برأسه )، فقد أدّى ما فرض الله عليه من مسح ذلك، لدخوله فيما لزمه اسم ( ماسحٍ برأسه ) إذا قام إلى صلاته "(٥).

(١) الفتاوى الكبرى: ١/٥٣. ( باختصار ).
(٢) المصدر السابق: ١/ ٥٤.
(٣) ينظر: الجامع لأحكام القرآن: ٦/٨٧.
(٤) ينظر: أحكام القرآن له: ٢/ ٣٤١.
(٥) جامع البيان: ٤/٤٦٦.


الصفحة التالية
Icon