؟ رابعاً: قولهم: إنّه بدأ بالأثقل.. الجواب عنه من وجهين:
ـ أحدهما: أنّ بعضهم يرى أنّ الصلب هو أن يقتل أوّلاً، ثمّ يصلب. وبعضهم يرى أنّه يصلب أوّلاً، ثمّ يقتل وهو مصلوب، بأن يطعن برمح ونحوه، وعلى كلا القولين فإنّه لم يبدأ بالأثقل، لأنّ قتله مع صلبه، أثقل من مجرّد قتله.
ـ الثاني: أنّ قولهم: لو كانت ( أو ) للتخيير لبدأ بالأخفّ كما في كفّارة اليمين، وكفّارة الأذى، وجزاء قتل الصيد.. غير مسلّم، فإنّه في كفّارة اليمين جعل الصيام في المرتبة الثانية بعد الخيارات الثلاثة المتقدّمة، مع أنّه أخفّ من عتق الرقبة. وكذا في جزاء قتل الصيد، جعله آخر الخيارات الثلاثة. وفي كفّارة الأذى، جعله أوّل الخيارات، فسقط بذلك قولهم إنّه بدأ بالأخفّ فيما فيه تخيير.
والصحيح أنّ الله ـ عزّ وجلّ ـ يقدّم في كلّ ما سبق ما هو أصلح للعبد وللمجتمع، وأليق بالفاعل؛ ففي كفّارة اليمين راعى مصلحة المجتمع، وحاجة الفقير والمسكين والمملوك، فبدأ بالعتق والإطعام والكسوة. وفي كفّارة الأذى، راعى مصلحة العبد نفسِه، ولم يراع مصلحة الفقير لاغتنائه في ذلك الوقت، لكثرة اللحوم والأضاحي والهدي. وفي كفّارة جزاء الصيد، راعى شدّة الجرم، وعِظَم الجناية، فبدأ بالمثل، فيما له مثل، فإن لم يكن له مثل، فقيمته طعاماً، أو عدل ذلك صياماً، هذا مع اختلاف القدر باختلاف الصيد صغراً وكبراً. ولذا ختم الآية بقوله: ﴿.. ليذوق وبال أمره.. ﴾، ﴿.. ومن عاد فينتقم الله منه..﴾[المائدة: ٩٥].
هذا على القول بأنّ ( أو ) هنا للتخيير، وذهب قوم(١)

(١) هذا القول مرويّ عن ابن عبّاس ـ رضي الله عنهما ـ، وهو قول عطاء ومجاهد والسدّيّ. ( ينظر: جامع البيان :
٥/٥٢).


الصفحة التالية
Icon