؟ الثاني: دلالة سبب النزول، فإنّه يدلّ على أنّهم كانوا يسمعون الكذب، بمعنى يقبلونه من أحبارهم، لا أنّهم كانوا يسمعون ليكذبوا.
وأمّا ما ذهب إليه البقاعيّ ـ رحمه الله ـ، فهو مردود من وجوه:
؟ أحدها: أنّه قول انفرد به، ولم يوافقه عليه أحد من المفسّرين.
؟ الثاني: أنّ السياق يأباه، فإنّه جعل اليهود سمّاعين من المنافقين، وهذا خلاف ما يدلّ عليه سياق هذه الآيات، بل سائر آيات الكتاب العزيز من سماع المنافقين لليهود، والمسارعة إلى تولّيهم، واللجوء إليهم، كما قال تعالى: ﴿ فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم.. ﴾[المائدة: ٥٢].
؟ الثالث: أنّه مخالف لما دلّ عليه سبب النزول ـ كما سبق بيانه ـ.
أمّا آية التوبة، فسيأتي الحديث عنها في موضعها ـ إن شاء الله تعالى ـ.
٢٥ـ قوله تعالى: ﴿.. فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم.. ﴾ [المائدة: ٤٢].
ذكر الشيخ ـ رحمه الله ـ أنّ العلماء اختلفوا في التخيير في هذه الآية، هل هو منسوخ، أم هو باق على إحكامه، فذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنّه منسوخ بقوله تعالى في السورة نفسها: ﴿ وأن احكم بينهم بما أنزل الله.. ﴾[المائدة: ٤٩].
وذهب آخرون إلى عدم النسخ، وأجابوا عن الآية ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ) بأنّ الأمر فيها أمر بصفة الحكم، لا بأصله، كقوله تعالى: ﴿ وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط ﴾، وقوله: ﴿ وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ﴾[النساء: ٥٨].
قال الشيخ ـ رحمه الله ـ: " وهذا أصوب، فإنّ النسخ لا يكون بمحتمل، فكيف بمرجوح "(١).