o الثالث : أنّ أحكام الله التي أنزلها على رسوله، إنّما ينتفع بها حقّ الانتفاع من آمن بها حقّ الإيمان، وخضع لها رغبة وإذعاناً، كما قال تعالى: ﴿ فلا وربّك لا يؤمنون حتّى يحكّموك فيما شجر بينهم ثمّ لا يجدوا في أنفسهم حرجاً ممّا قضيت ويسلّموا تسليماً ﴾[النساء: ٦٥]، وقال تعالى: ﴿ إنّما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون ﴾[النور: ٥١]، بخلاف الذين ذمّهم الله بقوله: ﴿.. يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا ﴾[المائدة: ٤١]، والذين قال الله فيهم: ﴿ وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن يكن لهم الحقّ يأتوا إليه مذعنين * أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظلمون ﴾ [النور: ٤٨ ـ ٥٠]، فمثل هؤلاء لا يزيدهم حكم الله إلاّ طغياناً وكفراً، كما قال تعالى: ﴿ وليزيدنّ كثيراً منهم ما أنزل إليك من ربّك طغيناً وكفراً﴾ [المائد: ٦٨]، وإذا كان هذا هو حال كثير منهم، كان النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ مخيّراً بين الحكم بينهم والإعراض عنهم، وفي الإعراض عنهم تخفيف لطغيانهم وكفرهم.
؟ احتجاجهم بقوله تعالى: ﴿ قتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر.. ﴾ إلى قوله: ﴿ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون ﴾، وأنّ ردّهم إلى أحكامهم ينافي ما أوجب الله عليهم من الصغار.. غير مسلّم، بل إنّ في سماع دعاواهم، وحضورهم مجالس النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ والحكّام من بعده، مع استهتارهم وتلاعبهم، وكونهم لا يأتون إلاّ إذا كان الحقّ لهم ـ إنّ في ذلك إكراماً لهم، وتجريئاً على انتهاك أحكام الله، والجرأة على حكّام المسلمين، مع ما في ذلك من تحقيق بعض أغراضهم الخبيثة، وإنّ الإعراض عنهم لهو مقتضى الصغار والإذلال لهم.


الصفحة التالية
Icon