٢. دلالة السياق في الآيات اللاحقة، فقد قال الله بعد هذه الآية بآيات: ﴿ قل يأهل الكتب لستم على شي ء حتّى تقيموا التوربة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربّكم..﴾[المائدة: ٦٨]، وهذا يبيّن بطلان ما ذهب إليه أصحاب القول الثاني من قولهم إنّ الأمر في الآية لا يمكن بعد بعثة النبيّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ.. فها هو ربّنا ـ عزّ وجلّ ـ يأمر نبيّه أنّ يبيّن لأهل الكتاب أنّهم ليسوا على شيء ما لم يقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربّهم، ويحكموا به فيما لم يُنسخ بشريعتنا، إذ محال أن يأمر الله أهل الكتاب أن يحكموا بما نسخه على لسان نبيّه وخاتم رسله، فيكون قد أمر بالحكم بمنسوخ، فدلّ ذلك على أنّه لا تعارض بين الأمر بالحكم بما في التوراة والإنجيل، والأمر بالحكم بما أنزل على محمّد ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ، ولذا كان مذهب جمهور السلف، أنّ شرع من قبلنا، شرع لنا، ما لم يرد شرعنا بخلافه(١).
وقولهم إنّ الأمر في الآية على سبيل الحكاية، أي: وقلنا لهم احكموا.. فيه تكلّف ظاهر، والأصل عدم التقدير، وحمل الكلام على ظاهره.
وبهذا يتبيّن أنّ ما ذهب إليه الشيخ هو الراجح، والله تعالى أعلم.
؟... أحدهما: أنّه شرع لنا ما لم يرد شرعنا بنسخه أو بخلافه، وإلى هذا ذهب جماهير السلف، من الأحناف، والمالكية، وأكثر الشافعيّة، وأبو الحسن التميميّ وابن عقيل من الحنابلة، وغيرهم، وهذا هو الراجح.
؟... الثاني: أنّه ليس شرعاً لنا، وإليه ذهب أبو الخطّاب من الحنابلة، وبعض الشافعيّة، والمعتزلة، والأشاعرة.
؟... وهناك قول ثالث، وهو أنّ شرع إبراهيم ـ عليه السلام ـ خاصّة شرع لنا، وما سواه فليس بشرع لنا. (ينظر: التبصرة للفيروز آبادي ( دمشق: دار الفكر ): ١/٢٨٥، وروضة الناظر وجنّة المناظر: ص٨٢، والمسودة في أصول الفقه: ص١٧٤، وشرح مختصر الروضة للطوفي: ٣/١٦٩ ).