٤. أنّ قوله عن النصارى: ( ولا تقولوا ثلاثة )، وقوله: ( لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة ) قد قيل إنّ المراد به قول النصارى: باسم الآب، والابن، وروح القدس، إله واحد. وهو قولهم بالجوهر الواحد الذي له الأقانيم الثلاثة، التي يجعلونها ثلاثة جواهر، وثلاثة أقانيم، أي: ثلاث صفات وخواصّ، مع قولهم: إنّه هو الله، وإنّه ابن الله، وهو الاتّحاد والحلول، كما في قوله تعالى: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إنّ الله هو المسيح ابن مريم ﴾، وقوله: ﴿.. وقالت النصرى المسيح ابن الله..﴾[التوبة: ٣٠]. ففي الآية الأولى: ( ولا تقولوا ثلاثة ) ردّ على قولهم بتثليث الأقانيم. وفي هاتين الآيتين ردّ على قولهم بالحلول والاتّحاد. فيكون قد ردّ في كلّ آية بعض قولهم. أمّا على القول الآخر، فإنّه يكون قد ردّ في كلّ آية على صنف منهم، والقرآن يدلّ على القول الأوّل، فإنّه يدلّ على أن المراد بقولهم ( ثالث ثلاثة ) جعلهم المسيح وأمّه إلهين مع الله، كما قال تعالى: ﴿ وإذ قال الله يعيسى ابن مريم ءَأَنت قلتَ للناس اتّخذوني وأُمّي َ إلهين من دون الله.. ﴾ إلى قوله: ﴿ ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربّي وربّكم.. ﴾[المائدة: ١١٦، ١١٧]، ويدلّ على ذلك قوله: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عمّا يقولون ليمسنّ الذين كفروا منهم عذاب أليم * أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم * ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمّه صدّيقة كانا يأكلان الطعام..﴾[المائدة: ٧٣ ـ ٧٥]، فقوله تعالى: ﴿ ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمّه صدّيقة.. ﴾ عقيب قوله: ﴿ لقد كفر الذين قالوا إنّ الله ثالث ثلثة.. ﴾، يدلّ على أنّ التثليث الذي ذكره الله عنهم: اتّخاذ المسيح ابن مريم وأمّه إلهين.


الصفحة التالية
Icon