وأمّا قوله: ﴿ ولو أسمعهم لتولّوا وهم معرضون ﴾، فقد يشكل على كثير من الناس، لظنّهم أنّ هذا السماع المشروط، هو السماع المنفي في الجملة الأولى الذي كان يكون لو علم فيهم خيراً، وليس في الآية ما يقتضي ذلك، بل ظاهرها وباطنها ينافي ذلك، فإنّ الضمير في قوله (ولو أسمعهم ) عائد إلى الضميرين في قوله: ﴿ ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ﴾، وهؤلاء قد دلّ الكلام على أنّ الله لم يعلم فيهم خيراً، فلم يسمعهم، إذ ( لو ) يدلّ على عدم الشرط دائماً، وإذا كان الله ما علم فيهم خيراً، فلو أسمعهم لتولّوا وهم معرضون، بمنزلة اليهود الذين قالوا: سمعنا وعصينا "(١).
وقال في موضع آخر: ".. المعنى بقوله: ( لأسمعهم ): فهم القرآن، يقول: لو علم الله فيهم حسن قصد، وقبولاً للحقّ، لأفهمهم القرآن. لكن لو أفهمهم لتولّوا عن الإيمان وقبول الحقّ، لسوء قصدهم "(٢).
الدراسة، والترجيح:
عامّة المفسّرين اختاروا ما رجّحه الشيخ ـ رحمه الله ـ، ولم أر من اختار القول الثاني الذي أنكره الشيخ.
واختار النحّاس ـ رحمه الله ـ قصر الآية على سببها، وهو سؤال المشركين النبيَّ ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أسئلة تعجيزيّة، كإحياء بعض الموتى ليشهدوا له بالنبوّة. ولم يشر إلى المعنى العامّ الذي ذكره المفسّرون(٣).
وأمّا الزمخشريّ فإنّه اختار قولاً يوافق مذهبه في الاعتزال، فقال: " ( ولو علم الله ) في هؤلاء الصمّ البكم ( خيراً ) أي: انتفاعاً باللطف ( لأسمعهم ): لَلَطف بهم حتّى يسمعوا سماع مصدّقين، ثمّ قال:( ولو أسمعهم لتولّوا ) عنه، يعني: ولو لطف بهم، لما نفع فيهم اللطف، فلذلك
منعهم ألطافه. أو: ولو لطف بهم فصدّقوا، لارتدّوا بعد ذلك، وكذّبوا، ولم يستقيموا "(٤).

(١) مجموع الفتاوى: ١٦/ ١٠، ١١. ( باختصار ). وينظر: دقائق التفسير: ٣/ ٤٥٠، ٤٥١.
(٢) مجموع الفتاوى: ١٧/ ٤٠٥.
(٣) ينظر: معاني القرآن: ٣/ ١٤٣.
(٤) الكشّاف: ٢/ ١٢٠، ١٢١.


الصفحة التالية
Icon