أى : في يوم القيامة نختم على أفواه الكافرين فنجعلها لا تنطق، وإنما تكلمنا أيديهم، وتشهد عليهم أرجلهم بما كانوا يكسبونه في الدنيا من أقوال باطلة، وأفعال قبيحة.
قالوا : وسبب الختم على أفواههم، أنهم أنكروا أنهم كانوا مشركين في الدنيا، كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك في قوله - تعالى - : ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ اصي - غالبا - تكون بالأيدى، أما الأرجل فهي حاضرة لما ارتكب بالأيدى من سيئات، وقول الحاضر على غيره شهادة بما له، أما قول الفاعل فهو إقرار ونطق بما فعله.
قال الجمل : وقال الكرخي : أسند سبحانه فعل الختم إلى نفسه، وأسند الكلام والشهادة إلى الأيدى والأرجل، لئلا يكون فيه احتمال أن ذلك منهم كان جبرا، أو قهرا. والإقرار مع الإجبار غير مقبول. فقال : تكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم، أى باختيارها بعد إقدار اللّه لها على الكلام، ليكون أدل على صدور الذنب منهم. " (١)
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَضَحِكَ فَقَالَ « هَلْ تَدْرُونَ مِمَّ أَضْحَكُ ». قَالَ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ « مِنْ مُخَاطَبَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ يَقُولُ يَا رَبِّ أَلَمْ تُجِرْنِى مِنَ الظُّلْمِ قَالَ يَقُولُ بَلَى. قَالَ فَيَقُولُ فَإِنِّى لاَ أُجِيزُ عَلَى نَفْسِى إِلاَّ شَاهِدًا مِنِّى قَالَ فَيَقُولُ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ شَهِيدًا وَبِالْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ شُهُودًا - قَالَ - فَيُخْتَمُ عَلَى فِيهِ فَيُقَالُ لأَرْكَانِهِ انْطِقِى. قَالَ فَتَنْطِقُ بِأَعْمَالِهِ - قَالَ - ثُمَّ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَلاَمِ - قَالَ - فَيَقُولُ بُعْدًا لَكُنَّ وَسُحْقًا. فَعَنْكُنَّ كُنْتُ أُنَاضِلُ ». (٢)
وقال البيهقي :
"فَأَمَّا كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْمِ عَلَى الِانْفِرَادِ فَالشَّاهِدُ عَلَيْهِ صَحِيفَةُ عَمَلِهِ، وَكَاتِبَاهَا فَإِنَّهُ قَدْ أَخْبَرَ فِي الدُّنْيَا بِأَنَّ عَلَيْهِ مَلَكَيْنِ مُوَكَّلَيْنِ يَحْفَظَانِ أَعْمَالَهُ وَيَنْسَخَانِهَا، فَأَمَّا إِخْبَارُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ شَهَادَةِ الْجَوَارِحِ عَلَى أَهْلِهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: { يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ

(١) التفسير الوسيط للقرآن الكريم لطنطاوي - (١٢ / ٤٧) وحاشية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٥٢٢.
(٢) - صحيح مسلم - (٧٦٢٩ )


الصفحة التالية
Icon