قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿ أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ ؛ قرأ أبو عمرٍو :(يَبْغُونَ) بالياء، و (تُرْجَعُونَ) بالتاء، قالَ :(لأنَّ الثَّانِي أعَمُّ، وَالأوَّلُ خَاصٌّ، فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا لافْتِرَاقِهِمَا فِي الْمَعْنَى). وقرأ الحسنُ ويعقوبُ وسلام وحَفْصُ :(يَبْغُونَ) بالياء، و (يُرْجَعُونَ) بالياء أيضاً. وقرأ الباقونَ بالتاءِ فيهما على الخطاب.
ومعنى الآيةِ : أبَعْدَ هذه الوثائقِ الجارية بينَهم وبينَ اللهِ في أمرِ النبيِّ ﷺ يطلبُون دِيناً سوى ما عَهِدَهُ اللهُ إليهم. قال الكلبيُّ :(وَذلِكَ أنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُمُ النَّبيُّ ﷺ حِيْنَ اخْتَلَفُواْ فِي دِيْنِ إبْرَاهِيْمَ عَلَيْهِ ؛ كُلُّ فِرْقَةٍ قَدْ زَعَمَتْ أنَّهَا أوْلَى بدِيْنِهِ، فَقَالَ ﷺ :" كِلاَ الْفَرِيْقَيْنِ بَرِيْءٌ مِنْ دِيْنِ إبْرَاهِيْمَ " فَغَضِبُواْ وَقَالُواْ : وَاللهِ مَا نَرْضَى بقَضَائِكَ وَلاَ نَأْخُذُ بدِيْنِكَ ؛ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الآيَةَ).
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً ﴾ أي له أخلصَ وَخَضَعَ. قال الكلبيُّ :(أمَّا أهْلُ السَّمَوَاتِ وَمَنْ وُلِدَ فِي الإسْلاَمِ مِنْ أهْلِ الأَرْضِ أسْلَمُواْ طَائِعِيْنَ، وَمَنْ أبَى قُوتِلَ حَتَّى يَدْخُلَ فِي الإسْلاَمِ كَرْهاً ؛ يُجَاءُ بهِمْ أسَارَى فِي السَّلاَسِلِ وَيُكْرَهُونَ عَلَى الإسْلاَمِ). وَفِي الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قَالَ :" عَجِبَ رَبُّكُمْ مِنْ قَوْمٍ يُقَادُونَ إلَى الْجَنَّةِ بالسَّلاَسِلِ "
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ﴾ أي إلى جَزَائِهِ تُرْجَعُونَ في الآخرةِ، فَبَادِرُوا إلى دِينه ولا تطلبُوا غيرَ ذلك، وقيل معنى :(وَلَهُ أسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالاَرْضِ) أي أقَرُّواْ لَهُ بالألُوهيَّة كما قالَ اللهُ تعالى :﴿ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ﴾[الزخرف : ٨٧]. وقال الزجَّاج :(مَعْنَاهُ : أنَّ كُلَّهُمْ خَضَعُواْ للهِ مِنْ جِهَةِ مَا فَطَرَهُمُ اللهُ عَلَيْهِ). قال الضحَّاك :(هَذا حِيْنَ أخِذ مِنْهُ الْمِيثَاقُ وَأقَرَّ بهِ).
وقال الكلبيُّ :[مَعْنَاهُ : الَّذِي أسْلَمَ طَوْعاً أيِ الَّذِي وُلِدَ فِي الإسْلاَمِ، وَبالَذِي أسْلَمَ كَرْهاً يَعْنِي الَّّذِي أجْبرَ عَلَى الإسْلاَمِ، فَيُؤْتَى بهِمْ فِي السَّلاَسِلِ فَيُكْرَهُونَ عَلَى الإسْلاَمِ). قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ :" كُلُّ الْمَلاَئِكَةِ أطَاعُواْ فِي السَّمَاءِ ؛ وَالأَنْصَارُ فِي الأَرْضِ " وقال ﷺ :" وَلاَ تَسُبُّواْ أصْحَابي فَإنَّهُمْ أسْلَمُواْ مِنْ خَوْفِ اللهِ، وَأَسْلَمَ النَّاسُ مِنْ خَوْفِ سُيُوفِهِمْ "
وقال الحسنُ :(الطَّوْعُ : لأَهْلِ السَّمَوَاتِ خَاصَّةً، وَأَهْلُ الأرْضِ مِنْهُمْ مَنْ أسْلَمَ طَوْعاً ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ أسْلَمَ كَرْهاً).
وقرأ الأعمش :(كُرْهاً) بضمِّ الكافِ. وأما انتصابُ (طَوْعاً) و (كَرْهاً) فلأنَّهما مصدران وُضِعَا موضعَ الحالِ كما يقالُ : جِئْتُ رَكْضاً وَعَدْواً ؛ أي راكضاً وماشِياً بسرعةٍ ؛ كأنَّهُ قَالَ : ولهُ أسْلَمَ مَن في السمواتِ والأرض طائِعِيْنَ وَكَارهِيْنَ. وعن ابنِِ عبَّاس أنهُ قال :(إذا اسْتضَعَنَتْ دَابَّةُ أحَدِكُمْ أوْ كَانَتْ شَمُوساً فَلْيَقْرَأ فِي أذُنِهَا هَذِهِ الآيَةَ :﴿ أفَغَيْرَ دِيْنِ اللهِ يَبْغُونَ ﴾ إلَى آخِرِهَا).


الصفحة التالية
Icon