قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ﴾ ؛ أي من يُوَفِّقْهُ اللهُ لدينهِ بالطاعة فهو المهتدي، ﴿ وَمَن يُضْلِلْ ﴾ ؛ أي مَن يخذُلْهم عن دينهِ، ﴿ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِهِ ﴾ ؛ يَهدُونَهم من دون الله. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْياً ﴾ ؛ عما يسُرُّهم، ﴿ وَبُكْماً ﴾ ؛ عما ينفعُهم، ﴿ وَصُمّاً ﴾ ؛ عما يَمنَعُهم.
وَقِيْلَ : يُحشَرون في أول الحشرِ عُمياً وبُكماً وصُمّاً على هذه الصفةِ، ثم تزولُ هذه الصفات عنهم فيَرَونَ ويتكلَّمون ويسمعون كما قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿ وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّواْ ﴾[الكهف : ٥٣] وقال﴿ سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً ﴾[الفرقان : ١٢] وقال﴿ دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً ﴾[الفرقان : ١٣]. ويقالُ : إنه لَمْ يُرِدْ بالحشرِ في هذه الآية الحشرَ عن القبرِ، وإنما أرادَ به الحشرَ عن موضعِ الْمُحاسَبَة، فإنَّهم يُسحَبُونَ عن ذلك الموضعِ على وجُوهِهم على هذه الصِّفاتِ. وعن أنسٍ :" أنَّ رَجُلاً قَالَ : يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ يُحْشَرُ الْكَافُِ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ فَقَالَ :" إنَّ الَّذِي أمْشَاهُ عَلَى رِجْلَيْهِ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُمْشِيهِ عَلَى وَجْهِهِ ".
وعن أبي هريرةَ قال : قالَ رسولُ اللهِ ﷺ :" " يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أصْنَافٍ : صِنْفٌ مُشَاةٌ، وَصِنْفٌ رُكْبَانٌ، وَصِنْفٌ عَلَى وُجُوهِهِمْ " قِيْلَ : يَا رَسُولَ اللهِ وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ ؟ قَالَ :" إنَّ الَّذِي أمْشَاهُمْ عَلَى أرْجُلِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أنْ يُمْشِيَهُمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ، يَتَّقُونَ بوُجُوهِهِمْ كُلَّ حَدَبٍ وَشَوْكٍ ".
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿ مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ﴾ ؛ أي مَصيرُهم إليها. وقولهُ تعالى :﴿ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ ؛ أي كلَّما سَكَنَ لَهبُها من جانبٍ زدنَاها اشْتِعَالاً من جانبٍ آخر، يقالُ للنار اذا سَكَنَ لَهبُها : خَمَدَتْ، فَإذا أُطْفِئَتْ ولَمْ يبقَ فيها شيءٌ من النارِ قِيْلَ : هَمَدَتْ، وقال ابنُ عبَّاس :(مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ خَبَتْ ﴾ أيْ سَكَنَتْ)، وقال مجاهدُ :(طُفِئَتْ)، وقال قتادةُ :(لاَنَتْ وَضَعُفَتْ)، وقولهُ تعالى :﴿ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً ﴾ أي وَقُوداً.
ثم بَيَّنَ اللهُ تعالى لماذا يزدَادُون سَعيراً، فقال تعالى :﴿ ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا ﴾ ؛ أي ذلك العذابُ جزاءُ كُفرِهم بدلاَئِلنا، وإنكارِهم للبعثِ، وهو قولُهم :﴿ وَقَالُواْ أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً ﴾.