وقال السعدي رحمه الله :" ومما رزقناهم ينفقون " يدخل فيه النفقات الواجبة كالزكاة والنفقة على الزوجات والأقارب والمماليك ونحو ذلك والنفقات المستحبة بجميع طرق الخير ولم يذكر المنفق عليهم لكثرة أسبابها وتنوع أهلها ولأن النفقة من حيث هي قربة إلى الله وأتى بمن الدالة على التبعيض لينبههم أنه لم يرد منهم إلا جزءا يسيراُ من أموالهم غير ضار لهم ولا مثقل بل ينتفعون هم بإنفاقه وينتفع به إخوانهم.
وفي قوله " رزقناهم " إشارة إلى أن هذه الأموال التي بين أيديكم ليست حاصلة بقوتكم ولا ملككم وإنما هي رزق الله الذي خولكم وأنعم به عليكم فكما أنعم عليكم وفضلكم على كثير من عباده فاشكروه بإخراج بعض ما أنعم به عليكم وواسوا إخوانكم المعدمين، وكثيراً ما يجمع تعالي بين الصلاة والزكاة في القرآن لأن الصلاة متضمنة الإخلاص للمعبود والزكاة والنفقة متضمنة الإحسان على عبيده فعنوان سعادة العبد إخلاصه للمعبود وسعيه في نفع الخلق (١). أهـ
" لطائف في الإنفاق "
قال القشيري(٢)- رحمه الله - :
الزاهدون أنفقوا في طريقة متابعة هواهم، فآثروا رضاء الله على مناهم والعابدون أنفقوا في سبيل الله وسعهم وقواهم فلازموا سراً وعلناً نفوسهم والمريدون أنفقوا في سبيله ما يشغلهم عن ذكر مولاهم فلم يلتفتوا إلى شيء من دنياهم وعقباهم والعارفون أنفقوا في سبيل الله ما هو سوي مولاهم فقربهم الله الحق سبحانه وأجزاهم وبحكم الإفراد به لقاهم.
وقال أيضاً الأغنياء أنفقوا من نعمهم على عاقبتهم والفقراء أنفقوا من هممهم على منابتهم ويقال : العبد بقلبه وببدنه وبماله فبإيمانهم قاموا بقلوبهم وبصلاتهم قاموا بنفوسهم وبإنفاقهم قاموا بأموالهم فاستحقوا خصائص القربة من معبودهم وحيث قاموا لحقه بالكلية استوجبوا كمال الخصوصية. أ هـ

(١) - تفسير السعدي صـ٣٥
(٢) - لطائف الإرشادات حـ١ - صـ٥٧ - ٥٨


الصفحة التالية
Icon