وقال أبو السعود (١) :(الله يستهزئ بهم) أي يجازيهم على استهزائهم سمى جزاؤه كما سمى جزاء السيئة سيئة إما للمشاكلة في اللفظ، أو المقارنة في الوجود، أو وبال الاستهزاء عليهم فيكون كالمستهزئ بهم، أو ينزل بهم الحقارة والهوان الذي هو لازم الاستهزاء، أو يعاملهم معاملة المستهزئ بهم، أما في الدنيا فبإجراء أحكام المسلمين عليهم واستدراجهم بالإمهال والزيادة في النعمة على التمادي.
التمادي في الطغيان، أما في الآخرة فبما يروى أنه يفتح لهم باب إلى الجنة فيسرعون نحوه فإذا صاروا إليه سد عليهم الباب وذلك قوله (فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون) (المطففين : ٣٤) أهـ
(وقيل إن الاستهزاء من الله التخطئة لهم والتجهيل فمعناه أن الله يخطئ فعلهم ويجهلهم في الإقامة على كفرهم، وقيل إن الاستهزاء بهم أن يقال لأحدهم وهو في غاية الذل (ذق إنك أنت العزيز الكريم) (الدخان : ٤٩) (٢) أهـ
قوله تعالى :(الله يستهزئ بهم )
قال القرطبي (٣) - رحمه الله - (الله يستهزئ بهم) أي ينتقم منهم ويعاقبهم ويسخر بهم ويجازيهم على استهزائهم، فسمى العقوبة باسم الذنب هذا قول الجمهور من العلماء، والعرب تستعمل ذلك كثيراً في كلامهم، من ذلك قول عمر وبن كلثوم :
ألا لا يجهلن أحد علينا.... فنجهل فوق جهل الجاهلين
فسمى انتصاره جهلاً، والجهل لا يفتخر به ذ وعقل، وعلى ذلك جاء الكتاب والسنة وقال الله - عز وجل - (وجزاء سيئة سيئة مثلها) (الشورى : ٤٠) وقال :(فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم) (البقرة : ١٩٤) والجزاء لا يكون سيئة، والقصاص اعتداء، لأنه حق وجب، ومثله (ومكروا ومكر الله) (آل عمران : ٥٤) و(إنهم يكيدون كيداً وأكيد كيداً) (الطارق : ١٥-١٦) و(إنما نحن مستهزؤن الله يستهزئ بهم) (البقرة : ١٤-١٥)

(١) - تفسير أبي السعود جـ١ صـ٤٧
(٢) - زاد المسير جـ١ صـ٣٥. بتصرف يسير
(٣) - تفسير القرطبي جـ١ صـ١٥١. بتصرف يسير


الصفحة التالية
Icon