ومنها : أن في هذا المثل إيذاناً وتنبيهاً على حالهم في الآخرة، وأنهم يعطون نوراً ظاهراً، كما كان نورهم في الدنيا ظاهراً. ثم يطفأ ذلك النور وهم أحوج ما يكونون إليه إذ لم تكن له مادة باقية تحمله، وبقوا في الظلمة على الجسر لا يستطيعون العبور. فإنه لا يمكن أحداً عبوره إلا بنور ثابت يصحبه حتى يقطع الجسر. فإن لم يكن لذلك النور مادة من العلم النافع والعمل الصالح، وإلا ذهب الله تعالى به أحوج ما كان إليه صاحبه. فطابق مثلهم في الدنيا بحالتهم التي هم عليها في هذه الدار، وبحالتهم يوم القيامة عندما يقسم النور.
ومن هنا يعلم السر في قوله تعالى (ذهب الله بنورهم) ولم يقل : أذهب الله نورهم(١). أهـ
قال (ذهب الله بنورهم) ولم يقل : بنارهم لأن النار فيها الإحراق والإشراق. فذهب بما فيها من الإضاءة والإشراق، وأبقى عليهم ما فيها من الأذى والإحراق، وكذلك حال المنافقين : ذهب نور إيمانهم بالنفاق، وبقي في قلوبهم حرارة الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم قد صليت بحرها وأذاها، وسمومها ووهجها في الدنيا، فأصلاها الله تعالى إياه يوم القيامة ناراً مؤصدة تطلع على الأفئدة.
فهذا مثل من لم يصبه نور الإيمان بل خرج منه وفارقه بعد أن استضاء به، وهو حال المنافق عرف ثم أنكر، وقرأ ثم جحد. فهو في ظلمات أصم أبكم أعمى، كما قال تعالى في حق إخوانهم من الكفار (الأنعام : ٣٩) (والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات). وقال تعالى [البقرة : ١٧١] ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء " صم بكم عمي فهم لا يعقلون ".

(١) - اجتماع الجيوش الإسلامية جـ١ صـ٣٣ لابن القيم ط دار الكتب العلمية بيروت


الصفحة التالية
Icon