وهذا ليس بوعيد، لأن المرء لا يوعد بأمه وذلك لأن مكانك من الأم التي ولدتك أضيق من مكانك من الأرض، ثم إنك كنت في بطن الأم تسعة أشهر فما مسك جوع ولا عطش، فكيف إذا دخلت بطن الأم الكبرى، ولكن الشرط أن تدخل بطن هذه الأم الكبرى كما كنت في بطن الأم الصغرى، لأنك حين كنت في بطن الأم الصغرى ما كانت لك زلة فضلاً عن أن تكون لك كبيرة، بل كنت مطيعاً لله بحيث دعاك مرة إلى الخروج إلى الدنيا فخرجت إليها بالرأس طاعة منك لربك، واليوم يدعوك سبعين مرة إلى الصلاة فلا تجيبه برجلك، واعلم أنه سبحانه وتعالى لما ذكر الأرض والسماء بين ما بينهما من شبه عقد النكاح بإنزال الماء من السماء على الأرض، والإخراج من بطنها أشباه النسل الحاصل من الحيوان، ومن أنواع الثمار رزقاً لبني آدم ليتفكروا في أنفسهم وفي أحوال ما فوقهم وما تحتهم، ويعرفوا أن شيئاً من هذه الأشياء لا يقدر على تكوينها وتخليقها إلا من كان مخالفاً لها في الذات والصفات، وذلك الصانع الحكيم سبحانه وتعالى(١). أهـ.
لطيفة
جاء جماعة من الدهرية لأبى حنيفة ـ رضى الله عنه ـ فقال ما تقولون فى خشب قطع من الأشجار بلا نجار، واجتمع ثم كون سفينة تجرى فى البحر، وهى مشحونة بالأحمال مملوءة من الأثقال قد احتوشها فى لجة البحر أمواج متلاطمة ورياح مختلفة، وهى من بينها تجرى مستوية ليس لها ملاح يجريها ولا متعهد يدفعها، هل يجوز ذلك فى العقل ؟
قالوا لا : هذا شىء لايقبله العقل، فقال أبو حنيفة : يا سبحان الله إذا لم يجز فى العقل سفينة تجرى فى البحر مستوية من غير متعهد ولا مجر، فكيف يجوز قيام هذه الدنيا على اختلاف أحوالها، وتغير أعمالها، وسعة أطرافها، وتباين أكنافها من غير صانع وحافظ، فبكوا جميعا، وقالوا صدقت. أهـ. [الجواهر فى تفسير القرآن الكريم حـ١ صـ٣٤ للشيخ طنطاوى جوهرى]

(١) - التفسير الكبير جـ٢ صـ٣٤٢-٣٤٣


الصفحة التالية
Icon