وقال الكرماني : قوله تعالى (فأتوا بسورة من مثله) بزيادة (من) في هذه السورة، وفي غيرها (بسورة مثله) لأن (من) تدل على التبعيض، ولما كانت هذه السورة سنام القرآن وأوله بعد الفاتحة حسن دخول (من) فيها ليعلم أن التحدى واقع على جميع سور القرآن من أوله إلى آخره، وغيرها من السور لو دخلها (من) لكان التحدي واقعاً على بعض السور دون بعضها ولم يكن ذلك بالسهل (١). أهـ.
قال الإمام القشيري - رحمه الله -
(لبس على بصائر الأجانب حتى لم يشهدوا حبيبه - صلوات الله عليه - فتاهوا في أودية الظنون لما فقدوا نور العناية، فلم يزدد الرسول عليهم إتياناً بالآيات وإظهاراً من المعجزات إلا ازدادوا ريباً على ريب وشكاً على شك، وهكذا سبيل من أعرض عن الحق سبحانه، لا يزيده ضياء الحجج إلا عمي عن الحقيقة، قال الله تعالى (وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون) (يونس : ١٠١)، وليبلغ عليهم في إلزام الحجة عرفهم عجزهم عن معارضة ما آتاهم من معجزة القرآن الذي قهر الأنام من أولهم إلى آخرهم، وقدر عليهم أنهم لو تظاهروا فيما بينهم، واعتضدوا بأشكالهم، واستفرغوا كنه طاقتهم واحتيالهم لم يقدروا على الإتيان بسورة مثل سورة القرآن.
ثم قال (فإن لم تفعلوا) وأخبر أنهم قطعاً لا يقدرون على ذلك ولا يفعلون فقال (ولن تفعلوا) فكان كما قال - فانظروا لأنفسكم، واحذروا الشرك الذي يوجب لكم عقوبة النار التي من سطوتها بحيث وقودها الناس والحجارة، فإذا كانت تلك النار التي لا تنبت لها الحجارة مع صلابتها فكيف يطيقها الناس مع ضعفهم وحين أشرقت قلوب المؤمنين على غاية الإشفاق من سماع ذكر النار تداركها بحكم التثبيت فقال (أعدت للكافرين) ففي ذلك بشارة للمؤمنين، وهذه سنة من الحق سبحانه : إذا خوف أعداءه بشر مع ذلك أولياءه.

(١) - أسرار التكرار في القرآن للكرماني صـ٢٥


الصفحة التالية
Icon