هذا القول فيه نظر لأنه يدعم قول المعتزلة بأن القرآن مخلوق مستدلين بقوله تعالى " إنا جعلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون" [الزخرف : ٣] فكيف يكون الجعل في الآية السابقة بمعنى الخلق ؟!! ومن ذلك أيضاً قوله تعالى" وتجعلون له أنداداً " [فصلت : ٩] فإن الجعل فيها بمعني القول، وقد ذكر الإمام الفخر الرازي - رحمه الله - جـ٤ صـ٥٢ معاني الجعل وذكر أن الجعل له معان أخرى سوى الخلق والإيجاد.
أحدها :[ جعل] بمعني صير قال الله تعالى :" وهو الذي جعل لكم الليل لباساً والنوم سباتاً وجعل النهار نشوراً " [الفرقان : ٤٧].
وثانيها :[جعل] بمعنى وهب تقول : جعلت لك هذه الضيعة وهذا العبد وهذا الفرس.
وثالثها :[جعل] بمعنى الوصف للشيء والحكم كقوله تعالى " وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثاً " [الزخرف : ١٩] وقال " وجعلوا لله شركاء الجن " [الأنعام : ١١٠].
ورابعها : كذلك بمعنى الأمر.. كقوله تعالى " وجعلناهم أئمة " [الأنبياء ٧٣] يعني أمرناهم بالاقتداء بهم، وقال " إني جاعلك للناس إماماً " [البقرة : ١٢٤].
وخامسها : أن يجعله بمعنى التعليم كقوله جعلته كاتباً، وشاعراً إذا علمته ذلك.
وسادسها : البيان والدلالة تقول : جعلت كلام فلان باطلاً إذا أوردت من الحجة ما يبين بطلان ذلك.
قوله تعالى " أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء "
ذكر ابن أبي حاتم(١) في تفسيره ما نصه " حدثنا أبي هشام بن عبيد الله عن عبد الله بن يحي بن أبي كثير قال سمعت أبي يقول " إن الملائكة الذين قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها.. الخ " كانوا عشرة آلاف فخرجت نار من عند الله فأحرقتهم (٢)
(٢) هذه الرواية فيها نظر فهي تتعارض مع ما وصف الله به الملائكة.. بقوله [لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون] وقوله " ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته " وقوله " لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ".
وهذا السؤال ليس على جهة الاعتراض كما هو معروف، وقال العلامة ابن كثير جـ١ صـ٩٢ معلقاً على هذا الخبر بأنه اسرائيلي منكر. ؟؟.