يخاطب الله الناس كافة، بأن يتقوا ربهم، الذي رباهم بالنعم الظاهرة والباطنة، فحقيق بهم أن يتقوه، بترك الشرك، والفسوق، والعصيان ويمتثلوا أوامره، مهما استطاعوا. ثم ذكر ما يعينهم على التقوى، ويحذرهم من تركها، وهو : الإخبار بأهوال القيامة، فقال :" إن زلزلة الساعة شيء عظيم " لا يقدر قدره، ولا يبلغ كنهه، ذلك بأنها إذا وقعت الساعة، رجفت الأرض، وزلزلت زلزالها، وتصدعت الجبال، واندكت، وكانت كثيبا مهيلا، ثم كانت هباء منبثا، ثم انقسم الناس ثلاثة أزواج. فهناك تنفطر السماء، وتكور الشمس والقمر، وتنتثر النجوم، ويكون من القلاقل والبلابل، ما تنصدع له القلوب، وتوجل منه الأفئدة، وتشيب منه الولدان، وتذوب له الصم الصلاب، ولهذا قال :" يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت " مع أنها مجبولة على شدة محبتها لولدها، خصوصا في هذه الحال، التي لا يعيش إلا بها. " وتضع كل ذات حمل حملها " من شدة الفزع والهول. " وترى الناس سكارى وما هم بسكارى " أي : تحسبهم ـ أيها الرائي لهم ـ سكارى من الخمر، وليسوا سكارى. " ولكن عذاب الله شديد " : فلذلك أذهب عقولهم، وفرغ قلوبهم، وملأها من الفزع، وبلغت القلوب الحناجر، وشخصت الأبصار، وفي ذلك اليوم، لا يجزي والد عن ولده، ولا مولود هو جاز عن والده شيئا. ويوم " يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه ". وهناك يعض الظالم على يديه، يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا، يا ويلتي ليتني لم أتخذ فلانا خليلا، وتسود حينئذ وجوه وتبيض وجوه. وتنصب الموازين، التي يوزن بها مثاقيل الذر، من الخير والشر، وتنشر صحائف الأعمال، وما فيها من جميع الأعمال والأقوال، والنيات، من صغير وكبير، وينصب الصراط على متن جهنم، وتزلف الجنة للمتقين، وبرزت الجحيم للغاوين. إذا رأتهم من مكان بعيد، سمعوا لها تغيظا وزفيرا، وإذا


الصفحة التالية
Icon