٩٥ - ﴿ قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم ﴾ أي قال الحاضرون عنده من اهله : إنك يا يعقوب لفي ذهابك عن طريق الصواب الذي كنت عليه قديما من لإفراط حبك ليوسف لا تنساه ولا تفتر عنه ولسان حال يعقوب يقول لهم :

( لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها )
( لا تعذل المشتاق في أشواقه حتى تكون حشاك في أحشائه )
وقيل المعنى : إنك لفي جنونك القديم وقيل في محيتك القديمة
قالوا له ذلك لأنه لم يكن قد بلغهم قدوم البشير ٩٦ - ﴿ فلما أن جاء البشير ﴾ قال المفسرون البشير : هو يهوذا بن يعقوب قال لإخوته : أنا جئته بالقميص ملطخا بالدم فأعطني اليوم قميصك لأخبره أنك حي فأفرحه كما أحزنته ﴿ ألقاه على وجهه ﴾ أي ألقى البشير قميص يوسف على وجه يعقوب أو ألقاه يعقوب على وجه نفسه ﴿ فارتد بصيرا ﴾ الارتداد : انقلاب الشيء إلى حال قد كان عليها والمعنى : عاد ورجع إلى حالته الأولى من صحة بصره ﴿ قال ألم أقل لكم ﴾ أي قال يعقوب لمن كان عنده من أهله الذين قال لهم :﴿ إني لأجد ريح يوسف ﴾ : ألم أقل لكم هذا القول فقلتم ما قلتم ويكون قوله :﴿ إني أعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ كلاما مبتدأ لا يتعلق بالقول ويجوز أن تكون جملة ﴿ إني أعلم من الله ما لا تعلمون ﴾ مقول القول ويريد بذلك أخبارهم بما قاله سابقا ﴿ إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ﴾
٩٧ - ﴿ قالوا يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ﴾ طلبوا منه أن يستغفر لهم واعترفوا بالذنب وفي الكلام حذف والتقدير : ولما رجعوا من مصر ووصلوا إلى أبيهم قالوا هذا القول فوعدهم بما طلبوه منه
٩٨ - ﴿ قال سوف أستغفر لكم ربي ﴾ قال الزجاج : أراد يعقوب أن يستغفر لهم في وقت السحر لأنه أخلق بإجابة الدعاء لا أنه بخل عليهم بالاستغفار وقيل أخره إلى ليلة الجمعة وقيل أخره إلى أن يستحل لهم من يوسف ولم يعلم أنه قد عفا عنهم وجملة ﴿ إنه هو الغفور الرحيم ﴾ تعليل لما قبله وقد أخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن عكرمة في قوله :﴿ لا تثريب ﴾ قال : لا تعيير وأخرج أبو الشيخ عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال : قال [ لما فتح رسول الله صلى الله عليه و سلم مكة التفت إلى الناس فقال : ماذا تقولون وماذا تظنون ؟ فقالوا ابن عم كريم فقال : لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم ] وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس مرفوعا نحوه وأخرج البيهقي في الدلائل عن أبي هريرة مرفوعا نحوه وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن عطاء الخرساني قال : طلب الحوائج إلى الشباب أسل منها عند الشيوخ : ألم تر إلى قول يوسف لا تثريب عليكم اليوم ؟ وقال يعقوب :﴿ سوف أستغفر لكم ربي ﴾
أقول : وفي هذا الكلام نظر فإنهم طلبوا من يوسف أن يعفو عنهم بقولهم : لقد آثرك الله علينا فقال : لا تثريب عليكم اليوم لأن مقصودهم صدور العفو منه عنهم وطلبوا من أبيهم يعقوب أن يستغفر الله لهم وهو لا يكون إلا بطلب ذلك منه إلى الله عز و جل وبين المقامين فرق فلم يكن وعد يعقوب لهم بخلا عليهم بسؤال الله لهم ولا سيما إذا صح ما تقدم من أنه أخر ذلك إلى وقت الإجابة فإنه لو طلبه لهم في الحال لم يحصل له علم بالقبول
وأخرج الحكيم الترمذي وأبو الشيخ عن وهب بن منبه قال : لما كان من أمر إخوة يوسف ما كان كتب يعقوب إلى يوسف وهو لا يعلم أنه يوسف : بسم الله الرحمن الرحيم من يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم إلى عزيز آل فرعون سلام عليك فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو أما بعد : فإنا أهل بيت مولع بنا أسباب البلاء كان جدي إبراهيم خليل الله ألقي في النار في طاعة ربه فجعلها الله عليه بردا وسلاما وأمر الله جدي أن يذبح له أبي ففداه الله بما فداه وكان لي ابن وكان من أحب الناس إلي ففقدته فأذهب حزني عليه نور بصري وكان له أخ من أمه كنت إذا ذكرته ضممته إلى صدري فأذهب عني بعض وجدي وهو المحبوس عندك في السرقة وإني أخبرك أني إسرق ولم ألد سارقا فلما قرأ يوسف الكتاب بكى وصاح وقال :﴿ اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على وجه أبي يأت بصيرا ﴾ وأخرج أبو الشيخ عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال في قوله :﴿ اذهبوا بقميصي هذا ﴾ أن نمرود لما ألقى إبراهيم في النار نزل إليه جبريل بقميص من الجنة وطنفسة من الجنة فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد معه يتحدث فأوحى الله إلى النار ﴿ كوني بردا وسلاما ﴾ ولولا أنه قال وسلاما لأذاه البرد وأخرج أبو الشيخ عن ابن عباس مرفوعا إن الله كسا إبراهيم ثوبا من الجنة فكساه إبراهيم إسحاق وكساه إسحاق يعقوب فأخذه يعقوب فجعله في قصبة من حديد وعلقه في عنق يوسف ولو علم إخوته إذ ألقوه في الجب لأخذوه فلما أراد الله أن يرد يوسف على يعقوب كان بين رؤياه وتعبيره أربعون سنة أمر البشير أن يبشره من ثمان مراحل فوجد يعقوب ريحه فقال :﴿ إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ﴾ فلما ألقاه على وجهه ارتد بصيرا وليس يقع شيء من الجنة على عاهة من عاهات الدنيا إلا أبرأها بإذن الله وأخرج عبد الرزاق والفريابي وأحمد في الزهد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿ ولما فصلت العير ﴾ قال : لما خرجت العير هاجت الريح فجاءت يعقوب بريح قميص يوسف فقال :﴿ إني لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون ﴾ تسفهون فوجد ريحه من مسيرة ثمانية أيام وأخرج ابن أبي حاتم و أبو الشيخ عنه قال : وجد ريحه من مسيرة عشرة أيام وأخرج ابن أبي حاتم من وجه آخر عنه قال : وجده من مسيرة ثمانين فرسخا وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عنه أيضا :﴿ لولا أن تفندون ﴾ قال تجهلون وأخرج ابن جرير عنه أيضا : قال تكذبون وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن مجاهد قال : تهرمون يقولون قد ذهب عقلك وأخرج عبد بن حميد وابن المنذر عن الربيع قال :﴿ لولا أن تفندون ﴾ وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿ إنك لفي ضلالك القديم ﴾ يقول : خطئك القديم وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد ابن جبير قال : جنونك القديم وأخرج ابن جرير عن مجاهد قال : حبك القديم وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال : البشير البريد وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عن الضحاك مثله وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن سفيان قال : البشير هو يهوذا بن يعقوب وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن قال : لما أن جاء البشير إلى يعقوب فألقى عليه القميص قال : على أي دين خلفت يوسف ؟ قال : على الإسلام قال الآن تمت النعمة وأخرج ابو عبيد وسعيد بن منصور وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني عن ابن مسعود في قوله :﴿ سوف أستغفر لكم ربي ﴾ قال : إن يعقوب أخر بنيه إلى السحر وأخرج ابن المنذر وابن مردويه عن ابن عباس قال : أخرهم إلى السحر وكان يصلي بالسحر وأخرج أبو الشيخ وابن مردويه عنه قال : أخرهم إلى السحر لأن دعاء السحر مستجاب وأخرج ابن جرير وأبو الشيخ عنه أيضا قال : قال النبي صلى الله عليه و سلم في قصة :[ هو قول أخي يعقوب لبنيه : سوف أستغفر لكم ربي يقول حتى تأتي ليلة الجمعة ]


الصفحة التالية
Icon