فإن قيل كيف يستقيم الحمل على المرض، والآية نزلت في رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه، وكان المنع بالعدو؟ قلنا إن النصوص إذا وردت لأسباب لم تعلق بها، إلا أن يكون السبب منقولا معها، كقول الراوي سها رسول الله صلى الله عليه وآله فسجد فأما إذا وردت مطلقة عن الأسباب، فيعمل بظاهرها، ولا تحمل على السبب، فبقي الإشكال في أنهم كيف عرفوا التحلل؟ فنقول إن كان تأويل الإحصار المنع مطلقاً من غير اعتبار سبب، وإنما عرَّفوا الإحلال بنص مطلق غير مقيد، فإن كان التأويل هو المنع بالمرض فعرفوا الإحلال بمدلول النص؛ فإن النص لما أباح الإحلال، بمنع من جهة المرض، فالمنع من جهة العدو أولى بالإباحة، لأن منع العدو أشد، فإنه حقيقي لا يدفع له إذا كانت القوة لهم، ومنع المرض مما يزول بالدابة والمحمل ونحوه وكذلك إباحة الإحلال لضرب من الارتفاق يحصل به، وهذا الارتفاق في العدو أكثر، لأن جميع ما يستفيده المريض يستفيده الممنوع بالعدو وزيادة، وهي النجاة من شرهم بالرجوع، والمريض لا يستفيد هذا؛ والبيان من جهة الشرع مرة يكون بالنص ومرة بدلالته فإن قيل فإذا حملناه على المرض فإن الله تعالى قال "فإن أُحصرتم فما استيسر من الهدى، ولا تبتدر الأوهام إلى العدو قلنا لا كذلك، فإن الإحصار في اللغة ليس بعبارة عن المرض فحسب، بل عن منع يكون بالمرض، فيكون المنع علة، والمرض سبباً، ويصير كأن الله تعالى قال فإن منعتم بمرض فما استيسر فدل على المنع بالعدو من طريق الأولى، لأن المنع موجود نصاً في الحالين، وبالعدو أشد، والارتفاق بالإحلال فيه أكثر، فجرى مجرى الشتم من التأفيف في تحريمه فإن قيل إن الله تعالى نسق به "فمن كان منكم مريضاً أو به أذى من رأسه ففدية"، ولو كان أحصرتم عبارة عن المرض، لم يستقم نسق المرض به ثانيا، لأنه تكرار، لأن المعطوف أبدا يكون غير المعطوف عليه قلنا قد ذكرنا أن الإحصار ليس بالمرض بعينه، لكن منع بسبب المرض، فيستفاد