وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَابْنُ جَرِيرٍ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنِ الْأَصْبَغِ بْنِ زَيْدٍ الْوَرَّاقِ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ تَوْبَتَهُمْ أن يقتل كل واحد مِنْهُمْ كُلَّ مَنْ لَقِيَ مِنْ وَلَدٍ وَوَالِدٍ (١) فَيَقْتُلُهُ بِالسَّيْفِ، وَلَا يُبَالِي مَنْ قَتَلَ فِي ذَلِكَ الْمَوْطِنِ. فَتَابَ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَانُوا خَفِيَ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ مَا اطَّلَعَ اللَّهُ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، فَاعْتَرَفُوا بِهَا، وَفَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ فَغَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْقَاتِلِ وَالْمَقْتُولِ. وَهَذَا (٢) قِطْعَةٌ مِنْ حَدِيثِ الفُتُون، وَسَيَأْتِي فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ طه بِكَمَالِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٣).
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ بَشَّار، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ قَالَ: أَمَرَ مُوسَى قَوْمَهُ -مِنْ أَمْرِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ -أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسَهُمْ قَالَ: وَاحْتَبَى الَّذِينَ عَبَدُوا (٤) الْعِجْلَ فَجَلَسُوا، وَقَامَ الَّذِينَ لَمْ يَعْكُفُوا عَلَى الْعِجْلِ، فَأَخَذُوا الْخَنَاجِرَ بِأَيْدِيهِمْ، وَأَصَابَتْهُمْ ظُلَّة (٥) شَدِيدَةٌ، فَجَعَلَ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَانْجَلَتِ الظلَّة (٦) عَنْهُمْ، وَقَدْ أَجْلَوْا عَنْ سَبْعِينَ أَلْفَ قَتِيلٍ، كُلُّ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ، وَكُلُّ مَنْ بَقِيَ كَانَتْ لَهُ تَوْبَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ جُرَيْج: أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّة أَنَّهُ سَمِعَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدًا يَقُولَانِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قَالَا قَامَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ بِالْخَنَاجِرِ فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لَا يَحْنُو رَجُلٌ عَلَى قَرِيبٍ وَلَا بَعِيدٍ، حَتَّى أَلْوَى مُوسَى بِثَوْبِهِ، فَطَرَحُوا مَا بِأَيْدِيهِمْ، فكُشِفَ عَنْ سَبْعِينَ أَلْفِ قَتِيلٍ. وَإِنَّ اللَّهَ أَوْحَى إِلَى مُوسَى: أَنْ حَسْبي، فَقَدِ اكْتَفَيْتُ، فَذَلِكَ حِينَ أَلْوَى مُوسَى بِثَوْبِهِ، [وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَحْوُ ذَلِكَ] (٧).
وَقَالَ قَتَادَةُ: أَمَرَ الْقَوْمَ بِشَدِيدٍ مِنَ الْأَمْرِ، فَقَامُوا يَتَنَاحَرُونَ بِالشِّفَارِ يَقْتُلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى بَلَغَ اللَّهُ فِيهِمْ نِقْمَتَهُ، فَسَقَطَتِ الشِّفَارُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، فَأَمْسَكَ عَنْهُمُ الْقَتْلَ، فَجَعَلَ لِحَيِّهِمْ تَوْبَةً، وَلِلْمَقْتُولِ شَهَادَةً.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: أَصَابَتْهُمْ ظُلْمَةُ حنْدس، فَقَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا [نِقْمَةً] (٨) ثُمَّ انْكَشَفَ عَنْهُمْ، فَجَعَلَ تَوْبَتَهُمْ فِي ذَلِكَ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قَالَ: فَاجْتَلَدَ الَّذِينَ عَبَدُوهُ وَالَّذِينَ لَمْ يَعْبُدُوهُ بِالسُّيُوفِ، فَكَانَ مَنْ قُتِل مِنَ الْفَرِيقَيْنِ شَهِيدًا، حَتَّى كَثُرَ الْقَتْلُ، حَتَّى كَادُوا أَنْ يَهْلِكُوا، حَتَّى قُتِلَ بَيْنَهُمْ (٩) سَبْعُونَ أَلْفًا، وَحَتَّى دَعَا مُوسَى وَهَارُونُ: رَبَّنَا أَهْلَكْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ، رَبَّنَا البقيةَ البقيةَ،

(١) في ط: "أو والد".
(٢) في جـ: "وهذه".
(٣) وهو في سنن النسائي الكبرى برقم (١١٣٢٦) وسيأتي عند الموضع الذي أشار إليه الحافظ ابن كثير.
(٤) في جـ، ط، ب: "عكفوا".
(٥) في جـ، ط، ب، أ، و: "ظلمة".
(٦) في جـ، ط، ب، أ، و: "الظلمة".
(٧) زيادة من جـ، ط، ب، وفي أ، و: "وروي عن علي رحمة الله عليه نحو ذلك".
(٨) زيادة من أ.
(٩) في جـ، ط، ب: "منهم".


الصفحة التالية
Icon