﴿قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ قَالَ قَتَادَةُ: الْآنَ بَيَّنْتَ لَنَا، وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: وَقَبْلَ ذَلِكَ -وَاللَّهِ (١) -قَدْ جَاءَهُمُ الْحَقُّ.
﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ قَالَ الضَّحَّاكُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: كَادُوا أَلَّا يَفْعَلُوا، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الذِي أَرَادُوا، لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَلَّا يَذْبَحُوهَا.
يَعْنِي أنَّهم مَعَ هَذَا الْبَيَانِ (٢) وَهَذِهِ الْأَسْئِلَةِ، وَالْأَجْوِبَةِ، وَالْإِيضَاحِ مَا ذَبَحُوهَا إِلَّا بَعْدَ الْجُهْدِ، وَفِي هَذَا ذَمٌّ لَهُمْ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَرَضُهُمْ إِلَّا التَّعَنُّتَ، فَلِهَذَا مَا كَادُوا يَذْبَحُونَهَا.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ قَيْسٍ: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ لِكَثْرَةِ ثَمَنِهَا.
وَفِي هَذَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ ثَمَنِهَا لَمْ يُثْبِتْ إِلَّا مِنْ نَقْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حِكَايَةِ أَبِي الْعَالِيَةِ وَالسُّدِّيِّ، وَرَوَاهُ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ عُبَيْدَةُ، وَمُجَاهِدٌ، وَوَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: إِنَّهُمُ اشْتَرَوْهَا بِمَالٍ كَثِيرٍ (٣) وَفِيهِ اخْتِلَافٌ، ثُمَّ قَدْ قِيلَ فِي ثَمَنِهَا غَيْرُ ذَلِكَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سُوقَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: مَا كَانَ ثَمَنُهَا إِلَّا ثَلَاثَةَ دَنَانِيرَ (٤) وَهَذَا إِسْنَادٌ جَيِّدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَيْضًا.
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: وَقَالَ آخَرُونَ: لَمْ يَكَادُوا أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ خَوْفَ الْفَضِيحَةِ، إِنِ اطَّلَعَ اللَّهُ عَلَى قَاتِلِ الْقَتِيلِ الذِي اخْتَصَمُوا فِيهِ.
وَلَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ أَحَدٍ، ثُمَّ اخْتَارَ أَنَّ الصَّوَابَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكَادُوا يَفْعَلُوا ذَلِكَ لِغَلَاءِ ثَمَنِهَا، وَلِلْفَضِيحَةِ. وَفِي هَذَا نَظَرٌ، بَلِ الصَّوَابُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ-مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَلَى مَا وَجَّهْنَاهُ. وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ.
مَسْأَلَةٌ: اسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي حَصْرِ صِفَاتِ هَذِهِ الْبَقَرَةِ حَتَّى تَعَيَّنَتْ أَوْ تَمَّ تَقْيِيدُهَا بَعْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى صِحَّةِ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا بِدَلِيلِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تَنْعَتُ المرأةُ المرأةَ لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا" (٥). وَكَمَا وَصَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبِلَ الدِّيَةِ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ بِالْحَدِيثِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ: لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْحَيَوَانِ لِأَنَّهُ لَا تَنْضَبِطُ أَحْوَالُهُ، وَحَكَى مِثْلَهُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وغيرهم.

(١) في جـ، ط: "والله أعلم".
(٢) في جـ: "الشأن".
(٣) في ب: "بثمن كثير".
(٤) تفسير عبد الرزاق (١/٧١).
(٥) صحيح البخاري برقم (٥٢٤١).


الصفحة التالية
Icon