سَاحِرًا. وَاتَّخَذَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ تِلْكَ الْكُتُبَ، فَلَمَّا جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَاصَمُوهُ بِهَا (١) ؛ فَذَلِكَ حِينَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾
وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: إِنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَانًا عَنْ أُمُورٍ مِنَ التَّوْرَاةِ، لَا يَسْأَلُونَهُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ، فَيَخْصِمُهُمْ (٢)، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلِكَ قَالُوا: هَذَا أَعْلَمُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْنَا مِنَّا. وَإِنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنِ السِّحْرِ وَخَاصَمُوهُ بِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ عَمَدوا إِلَى كِتَابٍ فَكَتَبُوا فِيهِ السِّحْرَ وَالْكِهَانَةَ وَمَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَدَفَنُوهُ تَحْتَ مَجْلِسِ سُلَيْمَانَ، وَكَانَ [سُلَيْمَانُ] (٣) عَلَيْهِ السَّلَامُ، لَا يَعْلَمُ الْغَيْبَ. فَلَمَّا فَارَقَ سُلَيْمَانُ الدُّنْيَا اسْتَخْرَجُوا ذَلِكَ السِّحْرَ وَخَدَعُوا النَّاسَ، وَقَالُوا: هَذَا عِلْمٌ كَانَ سُلَيْمَانُ يَكْتُمُهُ وَيَحْسُدُ (٤) النَّاسَ عَلَيْهِ. فَأَخْبَرَهُمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَرَجَعُوا مِنْ عِنْدِهِ وَقَدْ حَزِنُوا، وَأَدْحَضُ اللَّهُ حُجَّتَهُمْ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ قَالَ: كَانَتِ الشَّيَاطِينُ تَسْتَمِعُ (٥) الْوَحْيَ فَمَا سَمِعُوا مِنْ كَلِمَةٍ [إِلَّا] (٦) زَادُوا فِيهَا مِائَتَيْنِ مِثْلَهَا. فأرسِل سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، إِلَى مَا كَتَبُوا مِنْ ذَلِكَ. فَلَمَّا تُوُفِّيَ سُلَيْمَانُ وَجَدَتْهُ الشَّيَاطِينُ فَعَلَّمَتْهُ النَّاسَ [بِهِ] (٧) وَهُوَ السِّحْرُ.
وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: كَانَ سُلَيْمَانُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَتَتَبَّعُ مَا فِي أَيْدِي الشَّيَاطِينِ مِنَ السِّحْرِ فَيَأْخُذُهُ مِنْهُمْ، فَيَدْفِنُهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ فِي بَيْتِ خِزَانَتِهِ، فَلَمْ يَقْدِرِ الشَّيَاطِينُ أَنْ يَصِلُوا إِلَيْهِ، فدبَّت (٨) إِلَى الْإِنْسِ، فَقَالُوا لَهُمْ: أَتَدْرُونَ مَا الْعِلْمُ (٩) الذِي كَانَ سُلَيْمَانُ يُسِخِّرُ بِهِ الشَّيَاطِينَ وَالرِّيَاحَ وَغَيْرَ ذَلِكَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالُوا: فَإِنَّهُ فِي بَيْتِ خِزَانَتِهِ وَتَحْتَ كُرْسِيِّهِ. فَاسْتَثَارَ بِهِ (١٠) الإنسُ وَاسْتَخْرَجُوهُ فَعَمِلُوا (١١) بِهَا. فَقَالَ أَهْلُ الْحِجَا: كَانَ سُلَيْمَانُ يَعْمَلُ بِهَذَا وَهَذَا سِحْرٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى [لِسَانِ] (١٢) نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرَاءَةَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ، فَقَالَ: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ (١٣) عَمَدَتِ الشَّيَاطِينُ حِينَ عَرَفَتْ مَوْتَ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ، عَلَيْهِ السَّلَامُ (١٤) فَكَتَبُوا أَصْنَافَ السِّحْرِ: "مَنْ كَانَ يُحِبُّ أَنْ يَبْلَغَ كَذَا وَكَذَا فَلْيَقُلْ كَذَا وَكَذَا". حَتَّى إِذَا صَنَّفُوا أَصْنَافَ السِّحْرِ جَعَلُوهُ فِي كِتَابٍ. ثُمَّ خَتَمُوا بِخَاتَمٍ عَلَى نَقْشِ خَاتَمِ سُلَيْمَانَ، وَكَتَبُوا فِي

(١) في جـ: "بهذا".
(٢) في جـ: "فيخصهم".
(٣) زيادة من جـ، ط، ب، أ، و.
(٤) في جـ: "ويحشر"، وفي ط: "ففسد".
(٥) في جـ، ط، أ، و: "تسمع".
(٦) زيادة من أ.
(٧) زيادة من ط.
(٨) في جـ، ب، أ، و: "فدنت".
(٩) في جـ: "أن العلم".
(١٠) في جـ، ط، ب، أ، و: "فاستثارته".
(١١) في جـ: "فعلموا".
(١٢) زيادة من جـ، ط، ، أ، و.
(١٣) في جـ، ط: "بشار".
(١٤) في جـ، ب: "عليهما السلام".


الصفحة التالية
Icon