حَمْزَةَ، عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي ذَرٍّ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاصَلَ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَةً؛ فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ قَبِلَ وِصَالَكَ، وَلَا يَحِلُّ لأحدٍ بَعْدَكَ، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَالَ: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فَلَا صِيَامَ بَعْدَ اللَّيْلِ، وَأَمَرَنِي بِالْوِتْرِ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا بَأْسَ بِهِ، أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي ذَرٍّ فِي تَارِيخِهِ] (١) (٢).
وَلِهَذَا وَرَدَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ النَّهْيُ عَنِ الْوِصَالِ، وَهُوَ أَنْ يَصِلَ صَوْمَ يَوْمٍ بِيَوْمٍ آخَرَ، وَلَا يَأْكُلَ بَيْنَهُمَا شَيْئًا. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، حَدَّثَنَا مَعْمَر، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تُوَاصِلُوا". قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: "فَإِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أبِيتُ يُطْعمني رَبِّي وَيَسْقِينِي". قَالَ: فَلَمْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ، فَوَاصَلَ بِهِمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَتَيْنِ، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ، فَقَالَ: "لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ" كالمُنكِّل بِهِمْ (٣).
وَأَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ بِهِ (٤). وَكَذَلِكَ أَخْرَجَا النَّهْيَ عَنِ الْوِصَالِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ (٥).
وَعَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، قَالَتْ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ الْوِصَالِ، رَحْمَةً لَهُمْ، فَقَالُوا: إِنَّكَ تُوَاصِلُ. قَالَ: "إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي" (٦).
فَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَثَبَتَ أَنَّهُ مِنْ خَصَائِصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَأَنَّهُ كَانَ يُقَوَّى عَلَى ذَلِكَ وَيُعَانُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ فِي حَقِّهِ إِنَّمَا كَانَ مَعْنَوِيًّا لَا حِسِّيًّا، وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ مُوَاصِلًا مَعَ الْحِسِّيِّ، وَلَكِنْ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
لَهَا أحاديثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلها... عَنِ الشَّرَابِ وتُلْهيها عَن الزادِ...
وَأَمَّا مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُمْسك بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى وَقْتِ السَّحَرِ فَلَهُ ذَلِكَ، كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إِلَى السَّحَرِ". قَالُوا: فَإِنَّكَ تواصِل يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ: "إِنِّي (٧) لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ، إِنِّي أَبَيْتُ لِي مُطْعِم يُطْعِمُنِي، وَسَاقٍ يَسْقِينِي". أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا (٨).
وَقَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا أَبُو كُريْب، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْرَائِيلَ العَبْسي (٩) عَنْ أَبِي بَكْرِ ابن حَفْصٍ، عَنْ أُمِّ وَلَدِ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتعة: أَنَّهَا مَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتَسَحَّرُ، فَدَعَاهَا إِلَى الطَّعَامِ. فَقَالَتْ: إِنِّي صَائِمَةٌ. قَالَ: وَكَيْفَ تَصُومِينَ؟ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: "أين أنت من

(١) زيادة من جـ أ، و.
(٢) انظر: مختصر تاريخ دمشق لابن منظور (١٥/١٩٢).
(٣) في جـ: "لهم".
(٤) صحيح البخاري برقم (٦٨٥١) وصحيح مسلم برقم (١١٠٥).
(٥) حديث أنس في صحيح البخاري برقم (١٩٦١) وفي صحيح مسلم برقم (١١٠٤)، وحديث ابن عمر في صحيح البخاري برقم (١٩٦٢) وفي صحيح مسلم برقم (١١٠٢).
(٦) صحيح البخاري برقم (١٩٦٤) وصحيح مسلم برقم (١١٠٥).
(٧) في جـ: "فإني".
(٨) صحيح البخاري برقم (١٩٦٣) ولم أقع عليه في صحيح مسلم.
(٩) في أ: "القيسي".


الصفحة التالية
Icon