فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ" (١). فَهَذِهِ ثَلَاثُ أَرْبَعِينَاتٍ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَالِاحْتِيَاطُ بِعَشْرٍ بَعْدَهَا لِمَا قَدْ يَنْقُصُ بَعْضُ الشُّهُورِ، ثُمَّ لِظُهُورِ الْحَرَكَةِ بَعْدَ نَفْخِ الرَّوْحِ فِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ: سَأَلْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ: مَا بَالِ الْعَشْرَةِ؟ قَالَ: فِيهِ يُنْفُخُ الرُّوحُ. وَقَالَ الرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ: قُلْتُ لِأَبِي الْعَالِيَةِ: لِمَ صَارَتْ هَذِهِ الْعَشْرُ مَعَ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ؟ قَالَ: لِأَنَّهُ يُنْفُخُ فِيهَا الرُّوحُ. رَوَاهُمَا ابْنُ جَرِيرٍ. وَمِنْ هَاهُنَا ذَهَبَ الْإِمَامُ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، إِلَى أَنَّ عِدَّةَ أُمِّ الْوَلَدِ عِدَّةُ الْحُرَّةِ هَاهُنَا؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ فِرَاشًا كَالْحَرَائِرِ، وَلِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَة، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّهُ قَالَ: لَا تُلْبِسوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا، عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ (٢) وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ قُتَيْبَةَ، عَنْ غُنْدَر -وَعَنِ ابْنِ الْمُثَنَّى، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى. وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ وَكِيع -ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبة، عَنْ مَطَر الْوَرَّاقِ، عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ، عَنْ قَبِيصَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، فَذَكَرَهُ (٣).
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ أَنْكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقِيلَ: إِنَّ قَبِيصَةَ لَمْ يَسْمَعْ عَمْرًا، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى الْقَوْلِ بِهَذَا الْحَدِيثِ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ: سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَأَبُو عِيَاضٍ (٤)، وَالزُّهْرِيُّ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. وَبِهِ كَانَ يَأْمُرُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ، وَهُوَ أَمِيرُ المؤمنين. وبه يقول الأوزاعي، وإسحاق بن رَاهْوَيه، وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ، فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. وَقَالَ طَاوُسٌ وَقَتَادَةُ: عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا سَيِّدُهَا نصفُ عُدَّةِ الْحُرَّةِ: شَهْرَانِ وَخَمْسُ لَيَالٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحِ بْنِ حَيّ: تَعْتَدُّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ. وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَطَاءٍ، وَإِبْرَاهِيمَ النخَعي. وَقَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ: عِدَّتُهَا حَيْضَةٌ. وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمَكْحُولٌ، وَاللَّيْثُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَور، وَالْجُمْهُورُ.
قَالَ اللَّيْثُ: وَلَوْ مَاتَ وَهِيَ حَائِضٌ أَجْزَأَتْهَا. وَقَالَ مَالِكٌ: فَلَوْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا تَحِيضُ فَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ: شَهْرٌ، وَثَلَاثَةٌ أَحَبُّ إِلَيَّ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا وُجُوبُ الْإِحْدَادِ عَلَى الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا مُدَّةَ عِدَّتِهَا، لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ وَزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ أُمَّيِ الْمُؤْمِنِينَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسلم قال: "لا يحل لامرأة تؤمن

(١) صحيح البخاري برقم (٣٢٠٨) وصحيح مسلم برقم (٢٦٤٣).
(٢) المسند (٤/٢٠٣).
(٣) سنن أبي داود برقم (٢٣٠٨) وسنن ابن ماجة برقم (٢٠٨٣).
(٤) في جـ: "وأبو عاص".


الصفحة التالية
Icon