يَقُولُ تَعَالَى: فَهَلَّا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ بِكَمَالِهَا مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ الَّذِينَ بَعَثْنَا إِلَيْهِمُ الرُّسُلَ، بَلْ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ يَا مُحَمَّدُ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَذَّبَهُ قَوْمُهُ، أَوْ أَكْثَرُهُمْ كما قال تَعَالَى: ﴿يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠]، ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ﴾ [الذَّارِيَاتِ: ٥٢]، ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزُّخْرُفِ: ٢٣] (١) (٢) وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "عُرِضَ عَلَيَّ الْأَنْبِيَاءُ، فَجَعَلَ النَّبِيُّ يَمُرُّ وَمَعَهُ الْفِئَامُ مِنَ النَّاسِ، وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلُ وَالنَّبِيُّ مَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالنَّبِيُّ لَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ" (٣) ثُمَّ ذَكَرَ كَثْرَةَ أَتْبَاعِ مُوسَى، عَلَيْهِ السَّلَامُ، ثُمَّ ذَكَرَ كَثْرَةَ أُمَّتِهِ، صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، كَثْرَةً سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ الشَّرْقِيَّ (٤) وَالْغَرْبِيَّ.
وَالْغَرَضُ أَنَّهُ لَمْ تُوجَدْ (٥) قَرْيَةٌ آمَنَتْ بِكَمَالِهَا بِنَبِيِّهِمْ مِمَّنْ سَلَفَ مِنَ الْقُرَى، إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ، وَهُمْ أَهْلُ نِينَوى، وَمَا كَانَ إِيمَانُهُمْ إِلَّا خَوْفًا مِنْ وُصُولِ الْعَذَابِ الَّذِي أَنْذَرَهُمْ بِهِ رَسُولُهُمْ، بَعْدَ مَا عَايَنُوا أَسْبَابَهُ، وَخَرَجَ رَسُولُهُمْ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ، فَعِنْدَهَا جَأَرُوا إِلَى اللَّهِ وَاسْتَغَاثُوا بِهِ، وَتَضَرَّعُوا (٦) لَدَيْهِ. وَاسْتَكَانُوا وَأَحْضَرُوا أَطْفَالَهُمْ وَدَوَابَّهُمْ وَمَوَاشِيَهُمْ، وَسَأَلُوا اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ الَّذِي أَنْذَرَهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ. فَعِنْدَهَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ، وَكَشَفَ عَنْهُمُ الْعَذَابَ وَأُخِّرُوا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾.
وَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ: هَلْ كُشف عَنْهُمُ الْعَذَابُ الْأُخْرَوِيُّ مَعَ الدُّنْيَوِيِّ؟ أَوْ إِنَّمَا كُشِفَ عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا فَقَطْ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، أَحَدُهُمَا: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، كَمَا هُوَ مُقَيَّدٌ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي فِيهِمَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [الصَّافَّاتِ: ١٤٧، ١٤٨] فَأَطْلَقَ عَلَيْهِمُ الْإِيمَانَ، وَالْإِيمَانُ مُنْقِذٌ مِنَ الْعَذَابِ الْأُخْرَوِيِّ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ قَتَادَةُ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: لَمْ يَنْفَعْ قَرْيَةً كَفَرَتْ ثُمَّ آمَنَتْ حِينَ حَضَرَهَا الْعَذَابُ، فَتُرِكَتْ، إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ، لَمَّا فَقَدُوا نَبِيَّهُمْ وَظَنُّوا أَنَّ الْعَذَابَ قَدْ دَنَا مِنْهُمْ، قَذَفَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمُ التَّوْبَةَ، وَلَبِسُوا الْمُسُوحَ، وفَرّقوا بَيْنَ كُلِّ بَهِيمَةٍ وَوَلَدِهَا ثُمَّ عَجّوا إِلَى اللَّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. فَلَمَّا عَرَفَ اللَّهُ مِنْهُمُ الصِّدْقَ مِنْ قُلُوبِهِمْ، وَالتَّوْبَةَ وَالنَّدَامَةَ عَلَى مَا مَضَى مِنْهُمْ كَشَفَ اللَّهُ عَنْهُمُ الْعَذَابَ بَعْدَ أَنْ تَدَلَّى عَلَيْهِمْ -قَالَ قَتَادَةُ: وَذَكَرَ أَنَّ قَوْمَ يُونُسَ كَانُوا بِنِينَوَى أَرْضِ الْمَوْصِلِ.
وَكَذَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَقْرَؤُهَا: "فَهَلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ".
(٢) في ت: "مهتدون" وهو خطأ.
(٣) رواه البخاري في صحيحه برقم (٥٧٥٢) ومسلم في صحيحه برقم (٢٢٠) من حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.
(٤) في ت، أ: "والشرقي".
(٥) في ت: "يوجد".
(٦) في ت، أ: "وضرعوا".