كَمَا [ثَبَتَ] (١) فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي بَكْرَة قَالَ: قَالَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بأكْبر الْكَبَائِرِ" ثَلَاثًا، قُلْنَا: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ". وَكَانَ مُتَّكِئًا فَجَلَسَ، فَقَالَ: "أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ، أَلَا وَشَهَادَةُ الزُّورِ [أَلَا وَقَوْلُ الزُّورِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ]. (٣) فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَكَتَ (٤).
وَالْأَظْهَرُ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ الْمُرَادَ: لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ، أَيْ: لَا يَحْضُرُونَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ أَيْ: لَا يَحْضُرُونَ الزُّورَ، وَإِذَا اتَّفَقَ مُرُورُهُمْ بِهِ مرُّوا، وَلَمْ يَتَدَنَّسُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ (٥) ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿مَرُّوا كِرَامًا﴾.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الأشَجّ، حَدَّثَنَا أَبُو الْحُسَيْنِ الْعِجْلِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرة، أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ بِلَهْوٍ مُعْرِضًا (٦) فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَقَدْ أَصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَأَمْسَى كَرِيمًا".
وَحَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ النَّحْوِيُّ، حَدَّثَنَا حِبَّانُ، أنا عَبْدُ اللَّهِ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ، أَخْبَرَنِي ابْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَرَّ بِلَهْوٍ مُعْرِضًا فَلَمْ يَقِفْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ (٧) :" لَقَدْ أَصْبَحَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَأَمْسَى كَرِيمًا" (٨). ثُمَّ تَلَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٩).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ [وَ] (١٠) هَذِهِ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الْأَنْفَالِ: ٢]، بِخِلَافِ الْكَافِرِ، فَإِنَّهُ إِذَا سَمِعَ كَلَامَ اللَّهِ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ وَلَا يُقْصر عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، بَلْ يَبْقَى مُسْتَمِرًّا عَلَى كُفْرِهِ وَطُغْيَانِهِ وَجَهْلِهِ وَضَلَالِهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَا أُنزلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التَّوْبَةِ: ١٢٤ -١٢٥].
فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ أَيْ: بِخِلَافِ الْكَافِرِ الَّذِي ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ، فَاسْتَمَرَّ عَلَى حَالِهِ، كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا أَصَمَّ أَعْمَى.
قَالَ مُجَاهِدٌ: قَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ لَمْ يَسْمَعُوا: وَلَمْ يُبْصِرُوا، وَلَمْ يَفْقَهُوا شَيْئًا.
وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: كَمْ مِنْ رَجُلٍ يَقْرَؤُهَا وَيَخِرُّ عَلَيْهَا أصم أعمى.
(٢) في ف، أ: "عن".
(٣) زيادة من ف، أ.
(٤) صحيح البخاري برقم (٢٦٥٤) وصحيح مسلم برقم (٨٧).
(٥) في أ: "فيه شيء".
(٦) في أ: "فلم يقف".
(٧) في أ: "النبي".
(٨) زيادة من ف، أ.
(٩) ورواه ابن عساكر كما في المختصر لابن منظور (١٤/٥٥) من طريق إبراهيم بن ميسرة به.
(١٠) زيادة من أ.