الْخِطَابِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أَمَرْتَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ الْحِجَابِ (١).
وَكَانَ وَقْتُ نُزُولِهَا فِي صَبِيحَةِ عُرْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، الَّتِي تَوَلَّى اللَّهُ تَعَالَى تَزْوِيجَهَا بِنَفْسِهِ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ الْخَامِسَةِ، فِي قَوْلِ قَتَادَةَ وَالْوَاقِدَيِّ وَغَيْرِهِمَا.
وَزَعَمَ أَبُو عُبَيدة مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى، وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ: أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ، فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
قَالَ (٢) الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقاشي، حَدَّثَنَا مُعْتَمر بْنُ سُلَيْمَانَ، سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلَز، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، دَعَا الْقَوْمَ فَطَعموا ثُمَّ جَلَسُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَإِذَا هُوَ [كَأَنَّهُ] (٣) يَتَهَيَّأُ (٤) لِلْقِيَامِ فَلَمْ يَقُومُوا. فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قَامَ [قَامَ] (٥) مَنْ قَامَ، وَقَعَدَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ. فَجَاءَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَدْخُلَ، فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ، ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا فَانْطَلَقْتُ، فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ قَدِ انْطَلَقُوا. فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ أَدْخَلُ، فَأَلْقَى [الْحِجَابَ] (٦) بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الْآيَةَ.
وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ، مِنْ طُرُقٍ، عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ، بِهِ (٧). ثُمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُنْفَرِدًا بِهِ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ، عَنْ أَبِي قِلابة، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، [بِنَحْوِهِ (٨). ثُمَّ قَالَ (٩) : حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ، عَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ] (١٠) قَالَ: بُني [عَلَى] (١١) النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ، فأرسلْتُ عَلَى الطَّعَامِ دَاعِيًا، فَيَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ، ثُمَّ يَجِيءُ قَوْمٌ فَيَأْكُلُونَ وَيَخْرُجُونَ. فدعوتُ حَتَّى مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، مَا أَجِدُ أَحَدًا أَدْعُوهُ. قَالَ: "ارْفَعُوا طَعَامَكُمْ"، وَبَقِيَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ يَتَحَدَّثُونَ فِي الْبَيْتِ، فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْطَلَقَ إِلَى حُجْرَةِ عَائِشَةَ، فَقَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ". قَالَتْ: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، كَيْفَ وَجَدْتَ أَهْلَكَ، بَارَكَ اللَّهُ لَكَ؟ فَتَقَرّى حُجَرَ نِسَائِهِ كُلّهن، يَقُولُ لَهُنَّ كَمَا يَقُولُ لِعَائِشَةَ، وَيَقُلْنَ لَهُ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ. ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ (١٢) صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا رَهْطٌ ثَلَاثَةٌ [فِي الْبَيْتِ] (١٣) يَتَحَدَّثُونَ. وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَدِيدَ الْحَيَاءِ، فَخَرَجَ مُنْطَلِقًا نَحْوَ حُجْرة عَائِشَةَ، فَمَا أَدْرِي أخبرتُه أَمْ أُخْبِرَ أَنَّ الْقَوْمَ خَرَجُوا؟ فَرَجَعَ حَتَّى إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي أُسْكُفة الْبَابِ دَاخِلَهُ، وَأُخْرَى خَارِجَهُ، أرْخَى السِّتْرَ بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب.

(١) صحيح مسلم برقم (٢٣٩٩).
(٢) في ت: "وروى".
(٣) زيادة من ت، ف، أ، والبخاري.
(٤) في ت: "تهيأ".
(٥) زيادة من ت، ف، أ، والبخاري.
(٦) زيادة من ت، ف، أ، والبخاري.
(٧) صحيح البخاري برقم (٤٧٩١) وبرقم (٦٢٣٩، ٦٢٧١) وصحيح مسلم برقم (١٤٢٨) والنسائي في السنن الكبرى برقم (١١٤٢٠).
(٨) صحيح البخاري برقم (٤٧٩٢).
(٩) في ت: "قال البخاري".
(١٠) زيادة من ت، ف، أ.
(١١) زيادة من ت، ف، والبخاري، وفي أ: "بنى الله على النبي".
(١٢) في ت: "النبي".
(١٣) زيادة من ت، ف، أ، والبخاري.


الصفحة التالية
Icon