بِهَا وَتُعْجِبُهُ حَتَّى يَعْتَقِدَ أَنَّهُ لَا دَارَ سِوَاهَا وَلَا مَعَادَ وَرَاءَهَا، وَهِيَ حَقِيرَةٌ قَلِيلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ.
قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: حَدَّثَنَا عَلَيُّ ابْنُ حَرْبٍ الْمَوْصِلِيُّ، حَدَّثَنَا الْمُحَارِبِيُّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الجنة خير من الدنيا وما فيها. اقرؤوا: ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ (١)
وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ (٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ ووَكِيع، كِلَاهُمَا عَنِ الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَلْجنة أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ شِرَاك نَعْلِهِ، وَالنَّارُ مِثْلُ ذَلِكَ".
انْفَرَدَ بِإِخْرَاجِهِ الْبُخَارِيُّ فِي "الرِّقَاقِ"، مِنْ حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، بِهِ (٣)
فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى اقْتِرَابِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مِنَ الْإِنْسَانِ، وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ؛ فَلِهَذَا حَثَّهُ اللَّهُ (٤) عَلَى الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْخَيْرَاتِ، مِنْ فِعْلِ الطَّاعَاتِ، وَتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، الَّتِي تُكَفِّرُ عَنْهُ الذُّنُوبَ وَالزَّلَّاتِ، وَتُحَصِّلُ لَهُ الثَّوَابَ وَالدَّرَجَاتِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأرْضِ﴾ وَالْمُرَادُ جِنْسُ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، كَمَا قَالَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. وقال هاهنا: ﴿أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ أَيْ: هَذَا الَّذِي أَهَّلَهُمُ اللَّهُ لَهُ هُوَ مِنْ فَضْلِهِ وَمَنِّهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ، كَمَا قدَّمنا فِي الصَّحِيحِ: أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثور بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. قَالَ: "وَمَا ذَاكَ؟ ". قَالُوا: يُصلُّون كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، ويُعتقون وَلَا نُعْتِق. قَالَ: "أَفَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ سَبَقْتُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ، وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ: تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُر كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ". قَالَ: فَرَجَعُوا فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ مَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يؤتيه من يشاء" (٥)

(١) تفسير الطبري (٢٧/١٣٤) وليس في المطبوع هذه الزيادة، فلعل الحافظ رآها في نسخة أخرى.
(٢) صحيح البخاري برقم (٦٤١٥) من حديث سهل بن سعد، رضي الله عنه.
(٣) المسند (١/٣٨٧) وصحيح البخاري برقم (٦٤٨٨).
(٤) في م: "فلهذا حث تعالى".
(٥) صحيح البخاري برقم (٨٤٣) وصحيح مسلم برقم (٥٩٥).


الصفحة التالية
Icon