وناقل ومثبت والآمر... بعد النواهي ثم هذا الآخر
على إباحة الخ...
فقوله ثم هذا الآخر على إباحة، يعني: أن النص الدال على أمر مقدم على النص الدال على إباحة، للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب.
والتحقيق أن قدر المتعة لا تحديد فيه شرعا لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾، فإن توافقا على قدر معين فالأمر واضح، وإن اختلفا فالحاكم يجتهد في تحقيق المناط، فيعين القدر على ضوء قوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ الآية، هذا هو الظاهر، وظاهر قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾، وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ [٢/٢٤١]، يقتضي وجوب المتعة في الجملة خلافا لمالك ومن وافقه في عدم وجوب المتعة أصلا، واستدل بعض المالكية على عدم وجوب المتعة بأن الله تعالى قال: ﴿حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ [٢/٢٣٦]، وقال: ﴿حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [٢/٢٤١]، قالوا: فلو كانت واجبة لكانت حقا على كل أحد، وبأنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب.
قال مقيده عفا الله عنه هذا الاستدلال على عدم وجوبها لا ينهض فيما يظهر؛ لأن قوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ﴾ و ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ تأكيد للوجوب وليس لأحد أن يقول لست متقيا مثلا؛ لوجوب التقوى على جميع الناس.
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الآية ما نصه: وقوله ﴿عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ تأكيد لإيجابها؛ لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه وقد قال تعالى في القرآن: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [٢/٢]، وقولهم لو كانت واجبة لعين القدر الواجب فيها، ظاهر السقوط. فنفقة الأزواج والأقارب واجبة ولم يعين فيها القدر اللازم، وذلك النوع من تحقيق المناط مجمع عليه في جميع الشرائع كما هو معلوم.
قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ المقصود من هذه الآية الكريمة، تشجيع المؤمنين على القتال بإعلامهم بأن الفرار من الموت لا ينجي، فإذا علم الإنسان أن فراره من الموت أو القتل لا ينجيه، هانت عليه مبارزة الأقران؛ والتقدم في الميدان. وقد أشار تعالى أن هذا هو مراده بالآية