ما يكون العيد من ربه في حال كونه في السجود.
قال مسلم في صحيحه: وحدثنا هارون بن معروف، وعمرو بن سواد قالا: حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فأكثروا الدعاء".
تنبيه
اعلم أن ترتيبه جل وعلا الأمر بالتسبيح والسجود على ضيق صدره ﷺ بسبب ما يقولون له من السوء دليل على أن الصلاة والتسبيح سبب لزوال ذلك المكروه، ولذا كان ﷺ إذا حز به أمر بادر إلى الصلاة، وقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ...﴾ الآية [٢/٤٥].
ويؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث نعيم بن همار رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "قال الله تعالى: يا ابن آدم، لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره"، فينبغي للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله تعالى بأنواع الطاعات من صلاة وغيرها.
قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾، أمر الله جل وعلا نبيه ﷺ بأن يعبد ربه، أي: يتقرب له على وجه الذل والخضوع والمحبة بما أمر أن يتقرب له به من جميع الطاعات على الوجه المشروع، وجلّ القرآن في تحقيق هذا الأمر الذي هو حظ الإثبات من لا إله إلا الله، مع حظ النفي منها. وقد بين القرآن أن هذا لا ينفع إلا مع تحقيق الجزء الثاني من كلمة التوحيد، الذي هو حظ النفي منها، وهو خلع جميع المعبودات سوى الله تعالى في جميع أنواع العبادات؛ قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [١١/١٢٣]، وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [١٩/٦٥]، وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ [٤/٣٦]، وقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [٢/٢٥٦]، وقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [١٢/١٠٦]، والآيات في مثل ذلك كثيرة جداً.
قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، قالت جماعة من أهل العلم، منهم سالم بن عبد الله بن عمر، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم:


الصفحة التالية
Icon