إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ...} الآية [٣٨/٥-٦]، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولاً إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا...﴾ الآية [٢٥/٤١-٤٢]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً.
فمجموع ما ذكرنا يؤيد قول من قال: إن المراد بهذه القرية المضروبة مثلاً في آية "النحل"، هذه: هي مكة. وروي عن حفصة وغيرها: أنها المدينة، قالت ذلك لما بلغها قتل عثمان رضي الله عنه، وقال بعض العلماء: هي قرية غير معينة، ضربها الله مثلاً للتخويف من مقابلة نعمة الأمن والاطمئنان والرزق، بالكفر والطغيان. وقال من قال بهذا القول: إنه يدل عليه تنكير القرية في الآية الكريمة في قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً﴾ الآية [١٦/١١٢].
قال مقيدة عفا الله عنه: وعلى كل حال، فيجب على كل عاقل أن يعتبر بهذا المثل، وألا يقابل نعم الله بالكفر والطغيان؛ لئلا يحل به ما حل بهذه القرية المذكورة، ولكن الأمثال لا يعقلها عن الله إلا من أعطاه الله علماً؛ لقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [٢٩/٤٣].
وفي قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿قَرْيَةً﴾، وجهان من الإعراب.
أحدهما: أنه بدل من قوله: ﴿مَثَلاً﴾. الثاني: أن ﴿ضُرِبَ﴾ مضمن معنى جعل، وأن ﴿قَرْيَةً﴾ هي المفعول الأول، و ﴿مَثَلاً﴾ المفعول الثاني. وإنما أخرت قرية لئلا يقع الفصل بينها وبين صفاتها المذكورة في قوله: ﴿كَانَتْ آمِنَةً...﴾ الخ.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مُطْمَئِنَّةً﴾، أي: لا يزعجها خوف؛ لأن الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف.
وقوله: ﴿رَغَدًا﴾ أي: واسعاً لذيذاً. والأنعام قيل جمع نعمة كشدة وأشد، أو على ترك الاعتداد، بالتاء؛ كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس؛ كما تقدم في "سورة الأنعام" في الكلام على قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ...﴾ "الآية/١٥٢].
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، هو أن يقال: كيف أوقع الإذاقة على اللباس في قوله ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ..﴾ الآية [١٦/١١٢]، وروي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن الأعرابي إمامِ اللغة والأدب: هل يُذاق اللباس؟! يريد الطعن