لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [٢٨/٨]، لأن العلة الغائية الباعثة لهم على التقاطه ليست هي أن يكون لهم عدواً، بل ليكون لهم قرة عين؛ كما قالت امرأة فرعون: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً﴾ [٢٨/٩]، ولكن لما كان كونه عدواً لهم وحزناً يترتب على التقاطهم له؛ كترتب المعلول على علته الغائية: عبر فيه باللام الدالة على ترتيب المعلول على العلة، وهذا أسلوب عربي، فلا حاجة إلى ما يطيل به البيانيون في مثل هذا المبحث.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: إن الذين يفترون عليه الكذب ـ أي يختلقونه عليه ـ كدعواهم أنه حرم هذا وهو لم يحرمه، ودعواهم له الشركاء والأولاد ـ لا يفلحون؛ لأنهم في الدنيا لا ينالون إلا متاعاً قليلاً لا أهمية له، وفي الآخرة يعذبون العذاب العظيم، الشديد المؤلم.
وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله في يونس: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [١٠/٦٩-٧٠]، وقوله: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [٣١/٢٤]، وقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [٢/١٢٦]، إلى غير ذلك من الآيات.
وقوله ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾، خبر مبتدإ محذوف؛ أي: متاعهم في الدنيا متاع قليل. وقال الزمخشري: منفعتهم في الدنيا متاع قليل. وقوله ﴿لا يُفْلِحُونَ﴾، أي: لا ينالون الفلاح، وهو يطلق على معنيين، أحدهما: الفوز بالمطلوب الأكبر. والثاني: البقاء السرمدي؛ كما تقدم بشواهده.
قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية، هذا المحرم عليهم، المقصوص عليه من قبل المحال عليه هنا هو المذكور في "سورة الأنعام"، في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [٦/١٤٦].
وجملة المحرمات عليهم في هذه الآية الكريمة ظاهرة، وهو كل ذي ظفر: كالنعامة