الرابع: أن الخضر لو كان حياً إلى زمن النبي ﷺ لكان من أتباعه، ولنصره وقاتل معه، لأنه مبعوث إلى جميع الثقلين الإنس والجن. والآيات الدالة على عموم رسالته كثيرة جداً، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً﴾ [٧/١٥٨]، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [٢٥/١]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [٣٤/٢٨]، ويوضح هذا أنه تعالى بين في سورة آل عمران: أنه أخذ على جميع النَّبيين الميثاق المؤكد أنهم إن جاءهم نبينا ﷺ مصدقاً لما معهم أن يؤمنوا به وينصرونه، وذلك في قوله: ﴿إِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [٣/٨١-٨٢].
وهذه الآية الكريمة على القول بأن المراد بالرسول فيها نبينا صلى الله عليه وسلم، كما قاله ابن العباس وغيره ـ فالأمر واضح. وعلى أنها عامة فهو ﷺ يدخل في عمومها دخولاً أولياً. فلو كان الخضر حياً في زمنه لجاءه ونصره وقاتل تحت رايته. ومما يوضح أنه لا يدركه نبي إلا إتبعه ما رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار من حديث جابر رضي الله عنه:
أن عمر رضي الله عنه أتى النَّبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه فغضب وقال: "لقد جئتكم بها بيضاء نقية لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو يباطل فتصدقوا به. والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حياً ما وسعه إلا أن يتبعني" ا هـ قال ابن حجر في الفتح: ورجاله موثوقون، إلا أن في مجالد ضعفاً. وقال الحافظ ابن كثير رحمه الله في تاريخه بعد أن ساق آية آل عمران المذكورة آنفاً مستدلاً بها على أن الخضر لو كان حياً لجاء النَّبي ﷺ ونصره، ما نصه: قال ابن عباس رضي الله عنهما: ما بعث الله نبيناً إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد ﷺ وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذها على أمته الميثاق لئن بعث محمد ﷺ وهم أحياء ليؤمنن به وينصرونه، ذكره البخاري عنه ا هـ. فالخضر إن كان نبياً أو ولياً فقد دخل في هذا الميثاق. فلو كان حياً في زمن رسول الله ﷺ لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه، يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه. لأنه إن كان ولياً فالصديق أفضل منه. وإن كان نبياً فموسى أفضل منه.


الصفحة التالية
Icon