صَفَا} [١٨/٤٨]، ونظيره في كلام العرب من إتيان اللام بمعنى على: البيت الذي قدمناه في أول سورة «هود»، وقدمنا الاختلاف في قائله، وهو قوله:

هتكت له بالرمح جيب قميصه فخر صريعاً لليدين وللفم
أي خر صريعاً على اليدين:
وقد علم من هذه الآيات: أن النار تعرض عليهم ويعرضون عليها. لأنها تقرب إليهم ويقربون إليها. كما قال تعالى في عرضها عليهم هنا: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضاً﴾ [١٨/١٠٠]، وقال في عرضهم عليها: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُواْ عَلَى النَّارِ...﴾ الآية[٤٦/٣٤]، ونحوها من الآيات. وقد بينا شيئاً من صفات عرضهم دلت عليه آيات أخر من كتاب الله في الكلام على قوله: تعالى ﴿وَعُرِضُواْ عَلَى رَبِّكَ صَفَا﴾ [١٨/٤٨]، وقول من قال: إن قوله: هنا: ﴿وعرضنا جهنم﴾ الآية[١٨/١٠٠]، الآية فيه قلب. وأن المعنى: وعرضنا الكافرين لجهنم أي عليها ـ بعيد كما أوضحه أبو حيان في البحر. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً﴾. التحقيق في قوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ﴾ أنه في محل خفص نعتاً للكافرين. وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من صفات الكافرين الذين تعرض لهم جهنم يوم القيامة: أنهم كانت أعينهم في دار الدنيا في غطاء عن ذكره تعالى، وكانوا لا يستطيعون سمعاً. وقد بين هذا من صفاتهم في آيات كثيرة، كقوله: في تغطية أعينهم: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ...﴾ الآية[٢/٧]، وقوله: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً...﴾ الآية[٤٥/٢٣]، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ [١٣/١٩]، وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ...﴾ الآية[٣٥/١٩]، والآيات بمثل ذلك كثيرة جداً. وقال في عدم استطاعتهم السمع: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ [٤٧/٢٣]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءَاذَانِهِمْ وَقْراً﴾ [١٨/٥٧]، وقد بينا معنى كونهم لا يستطيعون السمع في أول سورة «هود» في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ﴾ [١١/٢٠]، فأغنى عن إعادته هنا. وقد بينا أيضاً طرفاً من ذلك في الكلام على قوله: تعالى في هذه السورة الكريمة: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِى ءَاذَانِهِمْ


الصفحة التالية
Icon